Stay Signed In
Do you want to access your site more quickly on this computer? Check this box, and your username and password will be remembered for two weeks. Click logout to turn this off.
Stay Safe
Do not check this box if you are using a public computer. You don't want anyone seeing your personal info or messing with your site.
واصطلاحاً: هو الابتعاد عن المسار المحدد، أو هو انتهاك لقواعد ومعايير المجتمع، ووصمة تلصق بالأفعال أو الأفراد المبتعدين عن طريق الجماعات المستقيمة داخل المجتمع (جاك دوغلاس)، أو هو انتهاك القواعد الذي يتميز بدرجة كافية من الخروج على حدود التسامح العام في المجتمع (كلينارد)..
أما الانحراف في الشريعة: فهو مجانبة الفطرة السليمة واتباع الطريق الخطأ المنهي عنه دينيا، أو الخضوع والاستسلام للطبيعة الإنسانية دون قيود..
والشخصية المنحرفة في نظر الشارع المقدس: هي من يقوم صاحبها بعمل يفسد النظام ويحول دون تطبيقه على واقع الحياة مما يلحق الضرر بالمصلحة الفردية أو الاجتماعية أو كليهما.
وإن كل الظواهر السلوكية الخاطئة هي ثمرة الجهود المبذولة لتحطيم الإنسان وسلب عقله وفكره وفطرته للسيطرة على إنسانيته..
(إنا خلقنا الإنسان من نطفةٍ أمشاج نبتليه فجعلناه سميعاً بصيراً * إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفورا) (الإنسان:2-3).
خلق الله الإنسان من نطفة أمشاج (خلائط)، فخلقه من المادة والروح، وأعطاه إرادة الصلاح والفساد (أي القدرة عليهما)، وجعله ممتحناً مبتلى، وبإرادته يختار الخير أو الشر، يختار الاستقامة أو الانحراف..
والأصل في الفطرة الإنسانية الاستقامة وليس الانحراف، والصلاح وليس الفساد، فالإنسان بفطرته يميل إلى الاستقامة والصلاح، وبطبيعته ينشد إلى الشهوات، واختياره الفطرة أو الطبيعة منوط بإرادته..
والانحراف مخالف للفطرة والعقل ولكنه ليس مخالفاً للإرادة والطبيعة الإنسانية، وبالانحراف يخلد الإنسان إلى الأرض، وبالاستقامة يملك قدرة العروج إلى درجات الملائكة، ويأخذ به السمو الروحي والإيماني إلى أعلى الدرجات، وتلك هي فطرة الله التي فطر الناس عليها.
1- عندما لا يجد الإنسان التربية السليمة سواء في العائلة أو المدرسة..
2- عندما يكون الإنسان في بيئة غير صالحة أو في محيط فاسد، وكل ما يستدعي انتشار الرذيلة والموبقات كالخمر والزنى والمخدرات وانتشار الثقافات الهدامة، والإحتكار، و..الخ..
3- بسبب القوانين الوضعية غير العادلة..
4- بسبب ظروف الحياة الصعبة كـ: الفقر، الحروب، تناقضات المجتمع وتنازعاته، شيوع الظلم، الانعزال أو العزلة، ما هي ظواهر الانحراف بسبب التمييز في الدين أو المذهب أو اللون أو العرق.. الخ..
5- بسبب الاستعمار والحكومات غير الشرعية التي تتحكم بالبلاد والعباد دون وجه حق..
6- بسبب الفراغ والجدة، قال الشاعر:
إن الشباب والفراغ والجدة مفسدة للمرءِ أي مفسدة
كيف نعالج الانحراف
ملاحظات:
1- الانحراف ليس قدراً، وكل الذين قالوا بالقدرية كانوا يبررون للحكام الظلم، ويرفعون عن أنفسهم عذاب الضمير وتأنيبه جراء أعمالهم الفاسدة، وكانوا يعينون الظلمة على إسكات الشرفاء والمؤمنين عن مقاومة الفساد والظلم المتفشي في المجتمعات الطاغوتية..
2- إن أفضل علاج هو الوقاية من المرض، والمبادرة قبل انتشاره وتفشيه في المجتمع، ومعالجة نقاط الضعف والثغرات التي ينفذ من خلالها الانحراف إلى المجتمع..
فالاهتمام بالتربية الصالحة تبعد المجتمع عن الانحراف.. والاهتمام بمسائل الحلال والحرام وتعلمها يقي المجتمع من الخطايا.. وتوفير الأرضية الصالحة للنشء، وتطور المجتمع يمنع الرذائل والموبقات.. وتوفير العيش الكريم للناس يبعدهم عن التفكير في الحرام والمعاصي..
خطوات العلاج المقترحة
1- التوجه المباشر لمعالجة الأسباب وليس النتائج، لأن أغلب الناس الذين ينحرفون إنما تدفعهم الحاجة للانحراف، سواء كانت هذه الحاجة فقراً أو ظلماً أو ما شابه، أما الذين ينحرفون من دون وجود حاجة فهم قليلون، وهم أئمة الكفر: الذين ليس لهم في انحرافهم حاجة إلا إضلال الناس وإبعادهم عن الجادة كما يفعل إبليس، ولذلك فلابد من معالجة السبب وليس النتائج، ومعرفة أن هذا الانحراف هل هو ناتج عن حاجة مشروعة تنتهي بتلبيتها، أم لخبث في نفس الإنسان والعياذ بالله؟!!
ولابد من العمل على إصلاح المنحرف بمساعدته لحل مشاكله، فأمير المؤمنين(ع) زوّج مومساً حتى يصلحها، وجميع الأئمة كانوا يعطون من الحقوق ومن أموالهم الخاصة للفقراء والمساكين لحل مشاكلهم..
2- العمل على نقل المنحرف من الوضع الذي هو فيه إلى وضع أفضل، عن طريق معالجة الفراغ والبطالة بتوفير العمل والوظيفة، وإبعاد الإنسان عن البيئة غير الجيدة بنقله إلى بيئة صالحة، وهكذا..
3- استخدام العقوبة عندما تكون ضرورة للردع، وفي الإسلام يشترط لمعاقبة المجرم أمور منها:
- ثبوت الجريمة بالوسائل الشرعية والقانونية..
- استحقاق المجرم للعقاب (من حيث البلوغ، التكليف، الاختيار، وعدم الاضطرار، وما شابه).
- ثبوت خرق المجرم لقانون صلاح المجتمع (فساحر المسلمين يقتل وساحر الكفار لا يقتل، والمسلم الملي لا يقضي فواته بينما المسلم الفطري يقضيه، والسارق في المخمصة لا تقطع يده، وهكذا).
- مراعاة المصلحة ودراسة جدوائية العقاب، وهل هو أفضل أم العفو؟ لقد عفا أمير المؤمنين عن سارق لحفظه سورة البقرة، وكان (ع) يسوف الزانية – في القصة المشهورة – عندما أرادت التطهير لعلها تتوب وتكتفي..
- أن لا يكون المعاقب ممن يرتكب نفس الأخطاء، فالمسيح عيسى بن مريم(ع) قال لأصحابه عندما أرادوا أن يرجموا الزانية: من كان منكم بلا خطيئة فليرجمها بحجر..
وأمير المؤمنين (ع) قال: (لا يقيم الحد من عليه حد).
4- العمل الجدي لإصلاح المجتمع الصغير (المدرسة والعائلة).
5- نشر الثقافة السليمة والرصينة والملتزمة، ثقافة البناء والتطور، ثقافة التغيير إلى الأفضل، ثقافة الدين والدنيا، ثقافة النبي محمد (ص) وآل بيته الأطهار(ع).
6- بناء الأرضية الإيمانية في نفوس الناس، وتعليمهم على الفضيلة والأخلاق وخاصة النشء..
7- المساواة بين الناس وإتاحة الفرص للجميع..
8- إشراك الناس في إدارة شؤونهم وعدم احتكار السلطة من قبل أي أحد..
كلمة أخيرة..
إن مسؤولية إصلاح المجتمع ليست مسؤولية العلماء والموجهين خاصة بل مسؤولية كل أبناء المجتمع، علماء دين ومربين، أساتذة وموظفين، أكاديميين وغيرهم.. كما أن مهمة الإصلاح ليست موجهة للمنحرفين خاصة، بل هي للصالحين والمنحرفين، للخيرين والفاسدين، فللمنحرف الإصلاح والتقويم، وللصالح التشجيع والحث على التأثير وعدم التأثر، وهكذا..
ولابد من تكاتف الجهود وتوفر النيات الصادقة من كل الذين يحبون الخير والصلاح لهذا المجتمع المسلم، الذي دخل في الإسلام دون قتال، واختار طريق الهداية دون إكراه، وبقى مع الرسول (ص) وخطه منذ اليوم الأول للدعوة وإلى اليوم، ودفع ولا يزال ضريبة الإيمان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكي نكون خير خلف لخير سلف..
لانحراف الشباب ، الذي يمثل بداية الإنزلاق نحو الهاوية ، والابتعاد عن الخط الصحيح ، آثاره السلبية ونتائجه الوخيمة التي لو نظر إليها الشاب والفتاة نظرة متفحّصة لرأفوا بأنفسهم وخافوا عليها وثابوا إلى رشدهم وما فضّلوا على الاستقامة والاعتدال شيئاً . فمن بين النتائج التي يفرزها الانحراف :
1 ـ الاسترسال والمضي في طريق الانحراف أشواطاً أخرى .
فليس المدمن هو الذي أدمن تعاطي المخدرات أو الخمر أو التدخين فقط ، فالذي يدمن التحرّش الجنسي ، والألفاظ البذيئة ، والتهاون في العبادات ، والتساهل في أحكام الشريعة ، هو مدمن من نوع آخر ، أي أنّ هذه الأمور تصبح ـ مع الإصرار والمداومة ـ صفات ملازمة ولصيقة ومتحكّمة بالشاب أو الفتاة ، مما يشكل فاتحة لعهد الانحراف الذي إذا لم تغلق بابه مبكراً دخلت منه الشرور كلّها .
2 ـ الانحراف عن طريق معيّن قد يؤدي إلى الانحراف عن طريق آخر .
كما لو أنّ الشاب أو الفتاة انحرفا ابتداءً بإقامة علاقات غير مدروسة مع قرناء السوء ، فإنّ الانحرافات التي تستتبع ذلك ستكون
نتائج حتمية للانحراف الأوّل ، ولو تتبعت انحرافات بعض الشبان لرأيت إنّها ابتدأت بانحراف واحد ، ثمّ أهمل فتطوّر فجرّ إلى انحرافات أخرى .
3 ـ الأمراض والاضطرابات النفسية التي تنجم عن الانحراف .
إنّ الانحراف عن خطّ السير يجرّ إلى انحراف في الصحّة سواء البدنية أو النفسية أو الروحية أو العقلية أو السلوكية العملية . فالسارق قد لا تبدو عليه علائم الانحراف بدنياً لكن سرقته ستترك أثرها في نفسيته وقد يعيش حالة التأنيب الداخلي ، ولكنّ المدمن على المخدّرات يعاني من اضطرابات كثيرة بدنية وعقلية ونفسية وروحية وسلوكية .
إنّ الكثير من حالات الكآبة والقلق والأرق والتشاؤم واليأس والإحباط والشعور بالعجز وتأنيب الضمير ، والإعراض عن الطعام والهزال والانطواء ، هي ثمار للعديد من الانحرافات التي يبتلى بها الشباب ، وقد يدفع بعضها إلى البرم والنرفزة وضيق الصدر بالآخرين ، وإلى الملل والسأم السريعين ، والاستمناء ، والرغبة بالانتقام ، والحقد ، والميل إلى الأفكار السلبية ومنها الانتحار .
4 ـ التدهور الإيماني : إنّ ضعف الإيمان أو الوازع الديني الذي
اعتبرناه عاملاً من عوامل الانحراف ، هو سبب ونتيجة أيضاً ، فالمنحرف إذا تعايش مع انحرافه واستفحل لديه ازداد تدهوره القيمي والديني والأخلاقي فلا يعود يقيم وزناً للعفّة والطهارة والنزاهة والاستقامة ونبل الشخصية ومكانتها بين الناس ، ولا يعود يأبه بالالتزامات العبادية حيث تبدأ مؤشرات الانحراف عنده بالشعور بعدم جدواها أوّلاً ، ثمّ بالتقصير في أدائها ، ثمّ ينتهي إلى إهمالها تماماً .
5 ـ ضعف الأداء العملي : ففي الكثير من الحالات ، لا يبقى المنحرف مواظباً على تقديم نفس المستوى من النشاط والفعالية والجدية والتجاوب مع الأفكار الإيجابية والإبداع . فكما يضعف التزامه الديني يضعف كذلك مستواه الدراسي والثقافي والأخلاقي والاجتماعي ، أي أن منعكسات الانحراف لا تقف عند حد واحد ، فالسارق يلجأ إلى السرقة الدراسية فيغشّ ، ويرى أن لا حاجة للتحصيل العلمي طالما أ نّه يمكن أن يؤمّن احتياجاته بالسرقة ، كما أ نّه يشعر بالاستغناء عن أسرته باستقلاله المالي وهكذا يضعف ارتباطه بأسرته ، وهذه كلّها انحدارات وانحرافات متلاحقة تضعف الأداء في مختلف المجالات .
6 ـ النفور الاجتماعي : أي أنّ الشاب المنحرف أو الفتاة المنحرفة سيجدان إعراضاً وصدوداً وجفاء بل امتعاضاً من الناس والمجتمع
الذي يعيشان فيه خاصة إذا كان للمجتمع تقاليده وأعرافه والتزاماته التي يُراعيها . وإذا أمعن أحدهما في الانحراف فإن ذلك قد يؤدي إلى مقاطعته تماماً حتى يجد نفسه بعد حين منبوذاً مما يخلق له متاعب كان في غنى عنها ، فلا يجد مَنْ يؤويه أو يوظّفه أو يزوّجه بل لا يجد مَنْ يصادقه مخافة أن يُتهم به ، أللّهمّ إلاّ النفر الضالّ الذي يماثله في انحرافه على طريقة «شبيه الشيء منجذب إليه» . وبالتالي فإن أجواء الانحراف التي ستحتضنه ستوقعه في المزيد من الارتكاس والتردّي في مهاوي الانحراف والضياع .
7 ـ ضعف الإرادة وانحلالها وفقدان السيطرة على النفس : وهي أيضاً سبب ونتيجة ، فالإرادة الواهية تقود إلى الانحراف ، والانحراف يزيد في ضعفها وانحلالها حتى ليغدو الشاب المنحرف كالمريض الضعيف البنية يسهل على الجراثيم والميكروبات والفيروسات افتراسه فيصاب لأدنى عارض ، أي أن قابليته على الإصابة تزداد بسبب نقص المناعة أو اندثارها .
المقالة: الاول | قبل | بعد | الاخير | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
نحتاج في توفير الحماية للشباب من الانحراف أن نجيب على سؤالين :
أوّلاً : ما هي الطرق التي نسلكها لتأمين هذه الحماية ؟
ثانياً : الحماية مسؤولية مَنْ ؟
أوّلاً : سبل تأمين الحماية
1 ـ إيجاد فرص عمل متكافئة : فلا يمكن التخلّص من شرور الفراغ والبطالة التي يعاني منها الشباب إلاّ باتاحة المجال للطاقات الشابة أن تأخذ موقعها على خريطة العمل والإنتاج ، فلقد ثبت أنّ الشبان العاملين أقلّ تعرّضاً للإصابة بالانحراف بسبب استغراقهم في أعمالهم التي ترفع من إحساسهم الإيجابي بشخصياتهم واستقلالهم المالي ، وتغلق المنافذ التي تتسرب منها الخواطر الشيطانية التي تغري بالانحراف والتجاوب مع أجوائه ومع المتعاطفين معه أو الذائبين فيه .
2 ـ الابتعاد ما أمكن عن الأجواء الفاسدة أو الداعية إلى الفساد : إنّ مقولة «مَنْ حام حول الحمى أوشك أن يقع فيه» مقولة مستوحاة من معرفة بالطبيعة الانسانية الميّالة إلى الانحراف (إنّ النفس لأمّارة بالسُّوء إلاّ ما رحم ربِّي )(1) وهي تنظر إلى لبّ المشكلة ، فالذي يعيش في أجواء تفوح منها الروائح النتنة قد يقرف منها ابتداء ، ثمّ إذا طال تردده عليها زال القرف شيئاً فشيئاً ، وربّما في وقت لاحق لا يرى الشاب الذي زلّت قدمه أن تلك الروائح نتنة بعد ما يكون أنفه قد تشبّع منها .
إنّ الابتعاد عن الأجواء المنحرفة أو المشجّعة على الانحراف لا يكفي وحده في حماية الشباب من الانحراف إذ لا بدّ إلى جانبه من لقاحات المناعة الإيمانية التي توفرها (الأجواء البديلة الصالحة) التي تملأ الفراغ النفسي والعقلي والروحي لدى الشاب .
وعلى هذا فإنّ اختيار البيئة المناسبة للسكن ـ إن كان ذلك ممكناً وميسوراً ـ سيجنّب الأبناء والفتيات الكثير من احتمالات الوقوع في الانحراف . كما أنّ اختيار الأصدقاء الصالحين الثقات الذين يعيشون الطهارة الروحية والصدق والإخلاص سيكون صمام أمان كبيراً ضدّ الانحراف بما يعرّفون أصدقاءهم من عيوبهم ، وما يبذلونه من جهد في مكافحة انحرافهم وما يقدمونه من قدوة حسنة من أنفسهم وسلوكهم القويم .
3 ـ التفقّه في الدين : ولا نعني به وعي الشريعة الاسلامية في مسائل الحلال والحرام فقط ، وإن كان ذلك من صمامات الأمان المهمّة أيضاً ، ولكنّه معرفة بكلّ معالم الطريق عقيدة وشريعة ومنهاجاً .
إن استحضار الشاب لله تعالى في أعماله كلّها ومعرفته «إنّ الشاهد هو الحاكم» و «إنّ الناقد بصير» و «لا تنظر إلى المعصية ولكن اُنظر إلى مَنْ عصيت» وأن تكون أحكام الشريعة أجراساً ومنبهات توقظه إذا غفل ، وتعيده إلى خط السير إذا انحرفت عربته عن المسار ، وأن يعرف أنّ الذئب إنّما يأكل من الغنم القاصية لأ نّها شذّت وانحرفت وانفصلت عن الجماعة الصالحة التي توفر لها الحماية .
وإن وعي الشاب لدوره في الحياة ، ولما أراده الله منه ، ولما ينتظره اسلامه ومجتمعه والمستقبل منه ليس خارجاً عن التفقّه في الدين وتوفير سياج يحمي من الانحراف .
4 ـ تفعيل دور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر : بأن تتحول هذه الفريضة العظيمة إلى حالة من (الرقابة الاجتماعية) التي توفّر أرضية التحصين من الانحراف . فالشاب المنحرف الذي يلقى صدوداً من أهله وأصدقائه وزملائه وأقربائه سيجد نفسه محاصراً ، وأنّ شعوره بأ نّه منبوذ سيضغط عليه لمراجعة مواقفه ، وهذا هو دور النهي عن المنكر .
وفي موازاة ذلك ، إذا وجد مَنْ يحتضنه ويرعاه ويوجهه التوجيه الصحيح ويأخذ بيده برفق وأناة كما يفعل الطبيب مع مريضه ، فإن احتمالات الشفاء من الانحراف ستكون كبيرة ، ذلك أن ترك المريض يكابد مرضه قد يفتك به ، وهذا هو دور الأمر بالمعروف .
ولا نغالي إذا قلنا إنّ إسقاط دور هاتين الفريضتين من التعامل الاجتماعي اليومي ، أو من برنامج الانسان المسلم والتزامه الصمت واللاّ أبالية ، هو الذي أسفر عن هذه القائمة الطويلة من الانحرافات حتى بات المنكر معروفاً والمعروف منكراً .
وكما أنّ الأسرة والمدرسة بحاجة إلى إعادة اعتبار ، لا بدّ أيضاً من إعادة اعتبار لهاتين الفريضتين المتكاملتين اللتين تبشران بالايجابي وتجذّرانه ، وتنذران من مساوئ السلبي وتقمعانه ، فما دبّ الانحراف في صفوف الشباب والفتيات ـ وغيرهم من الشرائح الاجتماعية ـ إلاّ بعد أن تخلّينا عن تفعيل دور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واعتبارهما أعظم العبادات كلّها ، ذلك أ نّك كشاب لا بدّ أن تعرف أنّ غاية العبادات هو الوصول إلى مستوى العمل بهاتين الآليتين في تحجيم المنكر وحصره في أضيق نطاق وتجفيف منابعه وموارده ، وإفساح المجال للمعروف بأن يسود .
5 ـ تكثير عدد القدوات في المجتمع : لا يكفي في سبيل دفع الانحراف وتحذير الشباب منه أن نقدّم مواعظ طويلة عريضة ، فالأب القدوة ضمانة أكيدة لابنه ضدّ الانحراف ، والأم النموذج الصالح حارس لابنتها من الوقوع في الانحراف . والعالم العامل المتقي الورع صمام أمان لشرائح واسعة من الناس ، والمعلّم المربّي الذي علّم نفسه أوّلاً وربّاها خشبة إنقاذ بما يغرسه في نفوس النشء ـ شباناً وفتيات ـ من معاني وقيم الصلاح والاستقامة .
إنّ لغة القدوة أبلغ في التعبير من لغة الخطاب المجرّد «كونوا دعاة للناس بغير ألسنتكم حتى يروا منكم الورع والاجتهاد والتقوى ، فذلك داعية» .
8 ـ تحديد المعايير والمصطلحات بوضوح : قيل لحكيم الصين الشهير (كونفوشيوس): ما هو أوّل شيء تعمله إذا أصبحت امبراطوراً للصين ؟ قال : أطلب من الناس أن يحدّدوا معاني الكلمات ! وهذه اللفتة الحكيمة من هذا الحكيم لم تُراعَ لحدّ الآن ، فالناس في اختلاف وصراع حول المراد بالمصطلحات المتداولة .
فالشرف كلمة رجراجة .. والعيب يجتهد العرف في تحديد معناه ، والحسن والقبيح ذوق اجتماعي يختلف من مجتمع إلى آخر .. وهكذا ، الأمر الذي يجعل المعيار أو المرجعية غائبة . فإلى ماذا نحتكم إذا اختلفنا كشباب ؟
بالطبع إلى المعيار الصحيح المتفق عليه وهو القرآن والسنّة المطهرة وما يقول به علماء الأمّة المعروفون بوعيهم للأمور وإلى عقولنا التي جعلها الله منارات هدى .
فإذا غاب المعيار أو غيّبه الناس ، أو اختلط وتعدّد وتشابه على الشباب أو كان شأناً مزاجياً أو اجتهادياً ، فإنّ الانحراف يدبّ للجهل بمعاني العفّة والتقوى والطاعة والولاء والانتماء والطيب والخبيث والأصيل والدخيل والخطأ والصواب .
9 ـ الاهتمام ببناء شخصيات شبابية قويّة وواعية : إنّ الدوائر المسؤولة عن بناء وتربية الشباب معنية بتركيز مقومات الشخصية الاسلامية ، وتعميق الإحساس بالوازع الديني ، أو ما يسمّى بـ (الضمير) أو التقوى ، والتعريف بما هو إيجابي ، ذلك أن من الأمور التي تجعل الانحراف معزولاً ومحشوراً في زاوية ضيّقة وغريباً ، هو أن نزرع إلى جانبه أشجار الخير والمحبّة والتعاون والاستقامة حتى ليبدو لعيني الشباب الفارق الكبير بينها وبين أشجار الانحراف المائلة والصفراء والموخزة بشوكها والعارية من الثمار والأزهار .
10 ـ إتاحة المجال للزواج بشروط ميسّرة : لقد تأكّد أنّ التعقيد في شروط الزواج وارتفاع تكاليفه الباهضة سواء غلاء المهور أو الشروط التعجيزية التي ما أنزل الله بها من سلطان ، هي التي جعلت الكثير من الشبان والفتيات يلجأون إلى الطرق غير الشرعية للتنفيس عن رغباتهم الجنسية .
ولذا فإنّ الزواج المبكر إذا توفرت إمكاناته ، والزواج الجماعي الذي يقلّص حجم النفقات ، وتأسيس الصناديق الخيرية التي تيسّر السبيل إلى بناء البيوت السعيدة ، أو المصارف التي تقدم القروض والسلف للراغبين بالزواج أو حديثي العهد بالزواج بشروط ميسّرة وأقساط مريحة ، كل ذلك يساهم في التخفيف من وطأة الانحراف وسد منافذه .
11 ـ فتح أبواب التفاؤل والرحمة : إنّ الشاب المنحرف أو الفتاة المنحرفة أشدّ ما يكونان حاجة إلى القلوب الرحيمة المتفهّمة لظروفهما وأسباب انزلاقهما ، وايجاد المخارج التي يمكن أن يهربوا من انحرافهم من خلالها .
وعلى المربين أن يتعلّموا لغة الخطاب القرآني مع المنحرفين ويخاطبوهم بمثلها (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا
من رحمة الله إنّ الله يغفر الذنوب جميعاً )(2) وهي لغة (إنّ الله غفور رحيم) و (توّاب رحيم) و (رحمتي وسعت كلّ شيء) أي لغة أنّ المنحرفين ليسوا مرفوضين تماماً ، فأبواب الصفح والمسامحة مفتوحة و (مَنْ تاب تاب الله عليه) .. المهم أن لا يبقى الشاب المنحرف مصرّاً على انحرافه مأخوذاً بالعزّة بالإثم .
ثانياً : مسؤولية الحماية في عاتق مَنْ ؟
صلاح الأفراد من صلاح المجتمع ، كما أنّ صلاح المجتمع من صلاح أفراده ، فصلاح كلّ منهما ينعكس على الآخر ، فالمجتمعات الآمنة المطمئنة التي تقلّ فيها حالات الانحراف ، ولا نقول تنعدم فليس هناك مجتمع ملائكي على وجه الأرض كلّها ، هذه المجتمعات تنتج أفراداً صلحاء ، كما أنّ الأفراد الصالحين يقوّون بدورهم النهج الإصلاحي في المجتمع بما يشيعونه من سلوك نظيف يحدّ بدوره من قذارة الانحراف ، ويجعل المنحرف متردداً في فعل يفعله ، وقد يمارسه بعيداً عن مرأى الناس وسمعهم ، وإذا حصر الانحراف أو المنكر في الدائرة الضيقة سهلت السيطرة عليه وتطويقه((3)) .
وبناءً على ذلك ، فإن مسؤولية مكافحة الانحراف وحماية الشباب منه مسؤولية تضامنية تنهض بها الجهات والمؤسسات التالية :
1 ـ الأسرة : الأسرة المحضن الأوّل للشاب وللفتاة على حدّ سواء ، وعلى مدى التربية التي يتلقاها كلّ منهما في صغره يتحدّد مستقبلهما . فإذا حظيا بأسرة صالحة رجح أن يكونوا صلحاء ، والعكس صحيح .
وقد تلعب عوامل خارجية كثيرة دورها في انحراف الشباب والفتيات ، لكن يبقى دور العامل الأسري في الحماية والوقاية والصيانة من أهم العوامل على الاطلاق : (قُوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة )(4) .
الأسرة هي الحجر الأساس في البناء التربويّ ، وكلّما كان متيناً أمكن التنبؤ بمستقبل يبشِّر بالخير والصلاح ، وبخلافه إذا كان هشّاً فإنّه لا يصمد أمام الضغوط والتحدّيات ، وحينها لا بدّ من جهود ذاتية استثنائية كبيرة يبذلها الشاب حتى يعوّض حرمانه من ذلك البناء ببناء آخر متين وهو (الدين) .
إنّ الأمّ التي تسمح لابنتها أن تطل على ضيوف أبيها وهي شبه عارية ، والأب الذي يطلب من ابنته أن ترقص وتغني أمام ضيوفه ، والأبوين اللذين لا يعارضان زيارة الأصدقاء الشباب لبيوتهم دون مراعاة لوضع بناتهم ، والأب الذي يبتسم بفخر لابنه الذي استطاع أن يحتال على شخص فيغلبه ويعتبر ذلك سمة من سمات رجولته ، هؤلاء إنّما يدفعون أبناءهم وبناتهم بكلتا يديهم إلى الانحراف .
أمّا الأبوان اللذان يحتاطان ويحترزان ويقدّران مخاطر أمثال هذه التصرفات في الحاضر والمستقبل ، وإذا رأيا أنّ البيئة التي تعيش الأسرة فيها موبوءة أو ملوّثة ومحفّزة على الانحراف ، عمدا إلى تغيير محل السكن حفاظاً على سلامة الأبناء والبنات ، واللذان يقدمان التربية بشقيها المباشرة بالموعظة والحكمة ، وغير المباشرة بأن يكونا قدوة لأبنائهما وبناتهما ، إنّما يتصرفان بوحي المسؤولية الاجتماعية والدينية ، ذلك أنّ الأسرة التي (تراقب) و (تحاسب) و (تخاطب) و (تشاور) الأبناء والبنات وتستخدم لغة الحوار والإقناع ستقلل ـ إذا لم تقطع نهائياً ـ احتمالات الانحراف .
2 ـ المراكز التعليمية والتربوية : المدارس والمعاهد والمراكز التعليمية والتربوية الأخرى هي البيوت الثانية للشبان والفتيات ، ولعلك تشترك معنا في الرأي إذا قلنا أنّ (المعلم) إذا كان مربياً مخلصاً ، نجح في انتشال الأجيال من براثن الانحراف .
فقد يفتقد الشباب القدوة في بيوتهم لكنّهم يجدونها في مدارسهم ، فإذا تمسّكوا بها ولم يتأثروا بالأجواء البيتية فقد اجتازوا عقبة كبيرة وأمنوا من تبعات الانحراف .
ولذا فإنّ رسالة التربية التي يجب أن تضطلع بها مدارسنا الاسلامية يجب أن تتقدّم على رسالة التعليم ، أو لنقل انّها ينبغي أن تسير بشكل متواز معها وأن لا تتخلّف عنها ، فربّ كلمة من معلم أو معلمة تهدي شاباً أو فتاة وتنقذهما من الوقوع في هاوية لا قرار لها .
دور المعلم الذي ينظر إلى التلميذ على أ نّه ابنه الثاني ويتابعه ويرشده ويهديه ويسدّده ويقوم سلوكه قد يفوق دور الوالدين في بعض الأحيان . أمّا إذا تظافرت الجهود التربوية وانضمّ الجهد الأسري إلى الجهد المدرسي فإن ذراعين رحيمين سيحتضنان الجيل .
3 ـ علماء الدين والمؤسسات الدينية : المراجع والعلماء والفقهاء هم آباء الأمّة والمشرفون على خط سيرها والمسدّدون لخطاها ، ودورهم في حماية الشباب من الانحراف يتمثل في التثقيف المباشر
بالاسلام ، أو تشكيل لجان ومؤسسات تربوية مسؤولة ترعى هذه الشريحة وتومّن لها سبل الحماية ، وتشعر أبناءها من كلا الجنسين أ نّهم محطّ عنايتها ومحبّتها واحتضانها الأبويّ .
وللمؤسسات الدينية والحوزات العلمية دورها المساند في تحصين الشباب ضدّ التحديات الثقافية والفكرية والسلوكية سواء بالتعريف بالاسلام بوجهه الصحيح وبأساليب عصرية مشوقة ، أو بتقديم الحلول المناسبة لمشكلات الشباب الدينية والاجتماعية والنفسية برؤية معاصرة تخلق لغة تفاهم مشتركة بين هذه المؤسسات وبين الشباب .
هناك فراغ واضح وملحوظ يعاني منه الشبان والفتيات في المكتبة الاسلامية الشبابية ، فلا تزال نادرةً الكتب التي تهتم بقضايا وهموم وشؤون ومشاكل وآمال الشباب ، فلا بدّ من توجيه العناية إلى أن يتخصّص بعض الروائيين والروائيات بطرح ذلك كلّه بلغة أدبية شفافة ونظيفة .
إن عدم نزول الكثير من علماء الدين إلى الميدان الشبابي أوجد هوّة أو غربة بين الإثنين حرمت الشباب من الأفكار والمفاهيم والأساليب التي يمكن أن تحصّنهم وتبني شخصياتهم بناءً متيناً .
وردم الفجوة يحتاج إلى فتح قنوات حوار ، وإعادة نظر في الأساليب التبليغية والدعوية والإرشادية التقليدية ، فالكثير منها بات منفّراً ، أو في الأقل لم يعد صالحاً للزمن الذي يعيشه الشاب فلا يستهويه ، خاصة إذا عقد مقارنة بين أساليب التربية والتوعية الحديثة
ذات الطرح العلميّ الذي يعالج المشاكل معالجة موضوعية تجيب على ما يدور في أذهان الشباب من أسئلة أياً كان نوعها ، وبين أساليب التوعية الدينية التي ما زالت تراوح مكانها إلاّ ما ندر .
4 ـ الكتّاب والأدباء والمثقفون : ما لم تتوجه عناية الكتّاب والأدباء والمثقفين الاسلاميين إلى الشباب ، ويتخصّص بعضهم في دراسة أسباب ومظاهر وآثار وطرق معالجة الانحراف ، ووضع خطّة شاملة في بناء الوعي الاسلامي فكراً وأدباً وثقافة ، فإنّ الشباب إمّا أن يلجأوا إلى كتابات غير منسجمة مع هويتهم ، وإمّا أن يعيشوا الفراغ الذي ألمحنا إليه .
إنّ الدراسات الميدانية واستطلاعات الرأي ، والبحوث والدراسات الشبابية ، التي تضطلع بها جهات معيّنة متخصصة لا تكافح الانحراف فحسب ، بل تقدم البدائل الصالحة للتربية مسؤولية مشتركة لا ينهض بها إلاّ مَنْ يحمل رسالة قلمه وأمانة الجيل الذي ينتظر عطاءه .
5 ـ الثقافة الإصلاحية : ثمة أسلوب معاصر في المعالجة على
المستوى التثقيفي يُطرح على شكل منشورات ملوّنة ومصوّرة وصغيرة ، تناقش كل نشرة مشكلة انحرافية محددة وبشكل مكثف ، أي إنّها تجيب على أسئلة محددة ، فيمكن لنشرة من هذه النشرات أن
تعالج ظاهرة التدخين بين الشباب والفتيات ، وتتساءل : ما هي مضار التدخين ، وكيف تجتنبه ؟
هذه النشرات أشبه شيء بالمنشورات الصحّية التي تعالج مرضاً معيناً وبمستوى ما يصطلح عليه بـ (الثقافة الشعبية أو الجماهيرية) أي الثقافة التي تقدم وجبة سريعة من المعلومات المنقّطة والمضغوطة والنافعة كأوليات في التثقيف بالمرض وبسبل معالجته .
6 ـ مواقع الشبكة المعلوماتية الخاصّة بالشباب : تتولّى هذه المواقع الشبابية مسؤولية جسيمة في رصد الظواهر الانحرافية وطرحها على صفحات مواقعها الشبابية والنسوية ، ذلك أنّ الأنظار اليوم متجهة إلى هذا الاختراع الذي يشدّ الانتباه ويسترق الكثير من الوقت وينافس العديد من وسائل التثقيف التقليدية .
فدور المواقع الشبابية هو جزء لا يتجزأ من رسالتها أن توجد حالة من التثقيف الأوسع بالظاهرة الانحرافية وطرق تفاديها ، سواء باستشارة أخصائيين أو باجراء استطلاعات للرأي ، أو بالردّ على أسئلة الشباب بأبوابها المختلفة ، أو إدارة الحوارات التي يشرف عليها مختصون للخروج بأفضل الصيغ وأنسب الحلول .
7 ـ الخـطباء : وهم أئمة المساجد والجوامع والجماعة والجمعة والذين يعتلون المنابر والمنصّات للوعظ والإرشاد الديني وإحياء المناسبات الاسلامية ، بل حتى الذين يمارسون مهمات التبليغ والدعوة الاسلامية ، حيث إنّهم معنيون برصد الظواهر الانحرافية وهي في المهد ، والتعريف بمخاطرها ، وأن يكونوا قدوة للشباب في الصلاح والاستقامة ، وأن ينتقلوا من مرحلة القاء الموعظة والتلقي السلبيّ الذي لا يعطي مجالاً للشبان في الحوار وطرح أسئلتهم ومداخلاتهم بشكل مباشر .
8 ـ مؤسسات الدولة : الدولة هي المسؤول الأكبر عن حماية الشباب من الانحراف بما لديها من قدرات ضخمة لا يمتلكها غيرها ، فهي الأقدر ـ إن قدّرت ذلك وعملت باتجاهه ـ على تنظيف الساحة الاجتماعية والشبابية تحديداً من أوضار ومضارّ الانحراف .
فالوسائل التربوية والمناهج التعليمية والمراكز الشبابية تقع تحت إشرافها . ووسائل الإعلام ـ في الغالب ـ تدار من قبلها وهي التي ترسم خططها وتضع رسالتها ، وهي التي تسنّ القوانين والقرارات التي من شأنها توفير الحماية ضدّ الانحراف .
فالدولة التي تضع قانوناً يحرّم تعاطي المخدرات وتعاقب على تجاوزه ، وتفتح المصحّات التي تعالج المدمنين لإعادة تأهيلهم إلى
الحياة الكريمة ، والتي تستخدم وسائلها التعليمية والإعلامية لتثقيف الشبان والفتيات ضدّ الإدمان تساهم مساهمة فعّالة وأعظم من أيّة دائرة أخرى من دوائر المسؤولية .
9 ـ الشباب أنفسهم : وتبقى مسؤولية الشاب عن نفسه في حماية نفسه من الانحراف من أهمّ المسؤوليات ، فقد لا تنفع الدوائر الأخرى في حمل الشباب على الإقلاع عن ظاهرة انحرافية معيّنة ، لكنّ الفتيان والفتيات ـ بما أوتوا من همّة عالية ـ قادرون على الوقوف بوجهها إذا تنبّهوا إلى مخاطرها الحاضرة والمستقبلة ، ذلك أنّ الشاب وحده الذي بيده قرار الاستسلام للانحراف والانسياق مع المنحرفين ، وبيده وحده قرار الممانعة والمقاومة ورفض الضغوط أو الإغراءات التي يلوّح بها الانحراف .
من هنا تأتي ضرورة أن يعمد الشاب أو الفتاة إلى تربية أنفسهما منذ وقت مبكر على الإحساس بالمسؤولية وتحمل نتائج الأعمال ومعرفة الصواب من الخطأ ، والرجوع إلى ذوي الخبرة والاختصاص في حال عجزوا عن ذلك .
إنّ دوائر الوعي والتغيير السابقة تعمل كلّها في اتجاه واحد ، وهو أن تضع الشباب في دائرة الوعي الثقافي بالظاهرة الانحرافية وكيفية النجاة منها .
لكنّ الشباب أنفسهم باعتبارهم موضوع الانحراف ، يلعبون دوراً غاية في الأهمية في قطع دابر الانحراف ، فالانسان طبيب نفسه ، ويمكنك كشاب أن تتفادى الانحراف بالمزيد من الرقابة الذاتية والتحسّب للنتائج والمخاطر المترتبة عليه ، والتواصي فيما بينك وبين الآخرين من الأصدقاء والاخوة على مكافحته ومساعدة الدوائر الأخرى في القيام بدورها على أكمل وجه .
(1) يوسف / 53 .
(2) الزمر / 53 .
(3) إنّ الإفطار العلني يعدّ انتهاكاً لحرمة الصوم والصائمين في المجتمع الاسلامي ، ولذلك يعاقب كل مَنْ ينتهك هذه الحرمة ، لكنّ الذي يريد أن يعصي الله فيفطر في داره ولا يعلم به أحد ، لا يؤثر على الجوّ العام للصيام والله هو الذي يتولى أمره ، وهكذا في الأمور الأخرى .
(4) التحريم / 6 .
المقالة: الاول | قبل | بعد | الاخير | عناوين المقالات | عناوين جميع المقالات
الحمد لله يعز من يشاء ويذل من يشاء ، ويهدي من يشاء ويضل من يشاء ، بيده مقادير كل شيء ، وهو على كل شيء قدير ، أشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ، أدى الأمانة وبلغ الرسالة ونصح الأمة ، وجاهد في الله حق جهاده ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرا .
أما بعد : فيا عباد الله ، اتقوا الله حق التقوى الأيام تطوى ، والأعمار تقضى ، { وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيّاً حَمِيداً } .
أيها الأحبة في الله : السير على الجادة المستقيمة شأن الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام ، واتباع كلام الله وهدي النبي صلى الله عليه وسلم هو طريق السلف الصالح رحمهم الله تعالى ، يتمثلون قول الباري سبحانه : { فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } .
وليس ضد الاستقامة إلا الطغيان والانحراف ، الانحراف ذلك الطريق المظلم المليء بالخوف والاضطراب ، لن ترى على سالكه إلا آثار النكد والنصب ، والشقاء والتعب ، { وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى، قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً ، قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى } .
والمنحرف عن سبيل الحق يستوحش من جماعة المسلمين ، ويأنس بفراقهم ، ويخيم على فؤاده الحقد عليهم ، والشماتة بهم ، يفرح لحزنهم ويحزن لفرحهم ، يود لو حلت بهم النكبات ، وتحولت أيامهم سودًا وأكدارًا ، وأمنهم ذعرًا وخوفًا ؛ لأنه تعود على هذا كله ، أو أنه ابتلي بهذا كله .
ولن يعدم المنحرف قائدًا يقوده إلى بؤر الفساد والإضلال ، وما أحرص الشيطان الرجيم على هذه القيادة البئيسة ، وما أسرع تخليه عن صاحبه في أشد الظروف حاجة ، وأقسى الأحوال ضرورة ، { وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } .
ولن يكون المنحرف وحده أيضًا تحت لواء الشيطان ، بل سيكون له غالبًا أصحاب يقوون عزيمته على الضياع ، يبغضون له الحق ، ويزينون له الباطل ، ويرغبونه في الطغيان ، ويحذرونه من ورود منابع العلم ، ويعدونه بوعود كوعود السراب للظمآن ، وسرعان ما تنقلب هذه الوعود إلى حسرات مريرة تفت الأفئدة ، وتفري الأكباد ، { وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا(27)يَاوَيْلَتِي لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا(28)لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنْ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا } .
يا لها من متاهات للانحراف متعرجة الطرق ، فاشلة النتائج ، لا توصل إلا إلى الخراب والدمار ، والفضيحة والإذلال .
المخدرات .. الزنا .. السياحة للمعصية .. تتبع الفواحش بالنظر والسماع .. الأنس بشلل المعاصي .. الانحراف الفكري .. التعلق بالمفسدين في الأرض .. والخارجين عن جماعة المسلمين .. والمروعين للآمنين .. المترفون والمرابون الذين يسعون في الأرض فسادًا .. والعاملون على إغواء الأمة عبر الأعلام المنحل عن الفضيلة .. هذه أمثلة على الانحراف تصب في قالب واحد .
فما أسباب انحراف الشباب عن الطريق الحق ، وما دواعي ميولهم عن جماعة المسلمين وحبلهم المتين ، لعلي في هذه العجالة أن أشير بشكل موجز إلى هذه الأسباب التي كل منا له يد عليها ، لا يخلو أحد من المسلمين من المسؤولية فيها :
السبب الأول : عدم معرفة الله حق معرفته ، وقدره حق قدره ، وإنما يعص العاصي بجهله بعظمة الله وقدرته ، { وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ } ، فهل من وقفة مع أبنائنا وأزواجنا وتلاميذنا نعلم من هو الله العظيم بأسمائه وصفاته الثابتة في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ؟
السبب الثاني : الجهل المطبق بهدي النبي صلى الله عليه وسلم ، فالمنحرف قد جعل له من هدي الشيطان واتباعه ما يعميه عن هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم ، ولهذا حذر النبي صلى الله عليه وسلم عن كل سبيل غير سبيل الله الحق ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ : خَطَّ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطًّا ثُمَّ قَالَ : هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ ثُمَّ قَالَ : هَذِهِ سُبُلٌ قَالَ يَزِيدُ مُتَفَرِّقَةٌ عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ ثُمَّ قَرَأَ ( إِنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ) رواه أحمد ،وصححه الألباني .
السبب الثالث : البعد عن العلم الشرعي ، والزهد في الجلوس مع العلماء وطلبة العلم ، فترى المنحرف يصغي بكل شغف لكل من يفتيه بهواه ويحلل له ما يشاء من المعاصي والذنوب واستباحة الدماء والحرمات وقتل النفوس المحرمة ، فلا يبالي من أين يأخذ الفتوى ، ولا ينظر في مصدرها ، ولا في مصداقية من نقلها إليه ، حتى ظهر لنا من يفتي بغير علم ولا هدى ، فعَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنه قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ ،وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا ) رواه البخاري .
فلنسهل العلوم الشرعية وغيرها من العلوم النافعة ولنجدد في طرحها وفي كيفية طرحها ولنحبب أبناءنا لها ، فليس مثل العلم فيه نجاة للأمة بأسرها .
السبب الرابع : الانفتاح الإعلامي الفضائي ، الذي لا يخلو في جملته من نفع كالتعرف على حقائق الأخبار بالصوت والصورة وبعض المعارف والعلوم ، لكنه في أغلبه فتح على الناس شرًا عظيمًا ما حسب الناس له حسابًا ، وخصوصًا على فئة الشباب ، حيث انبهر الشباب بما يعرضه هذا الإعلام من فساد مدروس ، يحمل بين رماده النار الملتهبة ، ويشيع في أجواء الأرض رائحة الخبث والمجون ، ويسهل له الوصول إلى الفواحش ، ويزين له صور السكر ومعاقرة الفجور ، ويدله على حفره ومواقعه ويتعلم منه الشاب ألوانًا من العنف والإرهاب ، ويعوده على مشاهدة مناظر الدماء وسفك الأرواح ، حتى أصيب جملة من شبابنا بألوان من التفلت على مبادئ دينهم وعقيدتهم وأخلاقهم بل وحتى تقاليدهم ومروءتهم ، وأصبحوا غير مبالين بأمتهم ومجتمعهم ووطنهم -، وأصبحوا يشاهدون خلال شاشته الشبه التي تثير حماسهم ضد وطنهم وأمن بلادهم ، فراح صاحب الشهوة يفجر شهواته في بؤر الفساد هنا وهناك ، وراح الجاهل منهم يستقبل تلك الشبه المضلة بقلب خاوٍ ليترجمها إلى تفجير للمتلكات وإهدار لكرامة النفس والأرواح المستأمنة .
السبب الخامس : تضييع الأمانة والتوكل في أدائها ، الأمانة التي ناءت بحملها السموات والأرض والجبال فتحملها الإنسان ، ولكن من الناس من ظلم نفسه وأمته ومجتمعه بتضييعها ، { إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً } .
ووقع الشباب فريسة لهذا التضييع ، حينما اتكل كل مسؤول عن هؤلاء الشباب قرب أو بعد منهم على غيره في توجيههم ومتابعتهم عصفت رياح الانحراف بعقولهم فتاه جملة منهم في صحرائه بلا دليل أو معين .
أين آباء هؤلاء الشباب الذين تراهم في مطلع كل إجازة يتركون ديارهم ديار التوحيد والأمان إلى ديار تنشر الرذيلة وتدعو إليها بإعلانات براقة وإن كانت زائفة .. وأين المعلمون المخلصون الذين ينبهون تلاميذهم إلى هذه الفرق المنحرفة عن جماعة المسلمين فيحذرونهم منهم ومن تصرفاتهم العشوائية ، ومن كل خلق دنيء لا يمت إلى دين الإسلام بصلة .
وأين الأمهات اللواتي يبذلن بكل إخلاص في رعاية بناتهن من التبرج والسفور والاختلاط ،ويحببن لهن الستر والحشمة بدلاًمن أن يقدمنهن شبع عاريات في المناسبات وفي صالات الأعراس .
وأين أئمة المساجد والدعاة إلى الله ليأخذوا بأيدي الناس بكل رفق ولين إلى سواحل الإيمان وفضائل الأعمال ، ويرهبونهم من مغبة الفساد والانحلال ، بالكلمة الطيبة والقدوة الحسنة .
إنني لا أشك أن هؤلاء جميعًا قاموا بجزء من واجبهم فجزاهم الله كل خير ولكننا بحاجة إلى مضاعفة الجهد وخصوصًا في مثل هذه الأحوال التي تمر بها بلادنا حرسها وبلاد المسلمين عامة لا مكن الله منها عدوا ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ) رواه البخاري .
نسأل الله تعالى أن يردنا إليه ردًا جميلا ، وأن يحفظ على البلاد أمنها وشبابها ودينها ، أستغفر الله فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم .
الخطبة الثانية :
الحمد لله يحب التوابين ويحب المتطهرين ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
أما بعد : فيا معاشر المسلمين : أحسب أن سببًا سادسًا من أسباب الانحراف هو الفراغ المصحوب إما بفقر أو غنى فكلا الأمرين بلاء عظيم ، فالفقر سيدعو الشاب العاطل عن العمل المهمل من قبل أهله وذويه إلى أعمال السرقة والتجارة في المخدرات وبذل الأعراض إلى الفواحش بل وحتى إلى الإرهاب والترويع والعنف ، والغنى سيدعو الفارغ من الشباب إلى استعمال نعمة المال في الملهيات بل والمحرمات أحيانًا ، فما أقبح البطالة ، وما أشد فتكها بالأعمار وتنويم العقول وقتل المواهب .
فلتعمل كل الجهات المسؤولة عن الشباب إلى إيجاد فرص العمل ، وليعمل الآباء والموجهون إلى ترغيب الشباب في العمل وإن قل مرتبه ، فالأموال يأتي بعضها ببعض ، ويبارك الله فيها إذا جد الشاب وعمل فيها بإخلاص وتوخى فيها الحلال من الرزق ، فلندعم كل شاب يريد الرزق بالكلمة والتشجيع والمال حتى يفتح الله عليه ويزيده من فضله ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهم عَنْه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَحْتَطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ رَجُلًا فَيَسْأَلَهُ أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ ) رواه البخاري ، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:( إني لأرى الشاب فيعجبني ،فإذا علمت بأنه لا صنعة له سقط من عيني ) .
وأخيرًا يا أحبتي : أعمال العنف وإراقة الدماء التي جرت في مدينة الخبر والرياض والطائف ما هي إلا أنموذجًا للانحراف الفكري الخطير ، ينبغي أن تكون لنا معها مراجعة لأسبابه التي ذكرتها ، نحاسب فيها أنفسنا مع مجتمعنا وشبابنا ومسؤولياتنا تجاه هذا الوطن الغالي على كل مسلم في الأرض ، وإن القلب ليحزن أشد الحزن على هذه الأنفس التي أزهقت بغير حق سوى شبه لا يسندها إلا الجهل وحب الانتقام .
فاللهم لا تبلغ أهل الفساد بكل أشكالهم وأغراضهم ما يريدون ، ورد كيدهم في نحورهم ، اللهم احفظ على هذه البلاد خاصة وبلاد المسلمين عامة الأمن والاستقرار والطمأنينة والاستقامة ، اللهم احفظ هذه البلاد رائدة بدينها وتحكيم شريعة الإسلام ،واجعلها سلمًا لأوليائك ، حربًا على أعدائك ، اللهم انصر بها دينك وكتابك وعبادك الصالحين .
اللهم أرنا في أعداء الدين يومًا أسودا تقر به أعين الصالحين ، وتفرح به صدور المتقين ، اللهم نسألك نصرك المؤزر للمجاهدين في سبيلك في كل مكان ، اللهم أيدهم بتأييدك ، وأمدهم بمدد من عندك وجند من جندك ، فإنه لا يهزم جندك ، اللهم احفظ على المسلمين بلادهم وأموالهم وذرياتهم من كيد الفجار ، وشر الأشرار .
اللهم أرنا في اليهود وأعوانهم من الصليبيين عجائب قدرتك ، اللهم املأ قلوبهم خوفًا وذعرًا كما أخافوا إخواننا في العراق وفي فلسطين ، اللهم شتت شملهم ، وفرق صفوفهم ، واشدد وطأتك عليهم ، بعزتك يا عزيز يا قوي يا متين .
اللهم أعن أولياء أمورنا للعمل بما يرضيك ، وارزقهم البطانة الصالحة التي تعينهم على الحق وتدلهم عليه .
اللهم فرج المهمومين ونفس كرب المكروبين ، واقض الدين عن المدينين ، وارحم موتانا ومتى المسلمين ، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين ، وصلوا وسلموا على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
الحمد لله الذي من علينا بنعمة الإسلام ، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أما بعد.
فقد زرت أحد مراكز هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وكان عندهم قضية اختلاء لفتاة في السنة الأولى ثانوية ، وعمرها ست عشرة سنة ، بدأت علاقة هذه الفتاة مع الشاب منذ سنة .
ويحرص الإخوة الأفاضل في ذلك المركز أن يعطوا المرأة المخالفة إذا دخلت المركز العباءة الإسلامية لتجعلها فوق العباءة المتبرجة ، ويعطونها القفاز والشراب الأسود ، ووضعِ ستارة بينهم وبينها أثناء الحديث معها .
كان لهذه الفتاة بطاقتان للخروج من المدرسة : الأولى لركوب الحافلة ، والثانية لركوب السيارة الخاصة ، وكانت تستغل البطاقة الخاصة للركوب مع ذلك الشاب وخلال فترة وصول الحافلة إلى منزلها ، تبقى في تجول بالسيارة مع ذلك الشاب ، وربما ذهبا إلى مطعم عائلي .
وحينما طلب أعضاء الهيئة من هذه الفتاة رقم هاتف والدها رفضت وبكت بكاءً مراً ، وكانت تتوسل لهم ألا تخبروا أبي . تأثر أعضاء الهيئة بسبب استمرار الفتاة بالبكاء ، وهم أحرص الناس على الستر عليها ، ولكنهم يدركون أنه من مقتضى الستر عليها أن يخبر والدها بالموضوع ، ويدركون أيضاً أن هذه الفتاة ربما لا تزال متعلقة بذلك الشاب فترجعَ إليه ، وربما صدقت توبتها إلا أن ذلك الشاب يمارس الضغط عليها بقوة العاطفة ، وربما هددها بالأشرطة والصور التي لديه ، فإذا كانت هذه الفتاة تتوسل إلى أعضاء الهيئة حتى لا يعلم والدها فكيف سيكون رضوخها أما تهديد عشيقها .
حصل أعضاء الهيئة على رقم والدها ، فاتصلوا به وأخبروه برغبتهم في حضوره ، فجاء مسرعاً ، وأخبر عن ابنته بأسلوب هادئ ، فتأثر تأثراً عظيماً ، ورأيت التغير على وجهه ، وأظن أن هذا الأب لم يمر عليه ولن يمر عليه موقف هو أخزى من هذا الموقف ، فقد مرغت تلك الفتاة وجه أبيها في تراب الفضيحة والعار .
أيها الإخوة هذه القصة وأمثالها هي موضوع هذه المحاضرة وهي قصة تتكرر كل يوم بعدد كبير ، ومتوسط حالات المعاكسة والخلوة المحرمة التي ضبطت في عام 1421 ( 116 مائة وست عشرة حالة ) تتكرر كل ليلة . ومما يؤكد خطورة الموضوع أن خط الانحراف العاطفي انحرف إلى الطالبات .
وهنا إحصائية مهمة في معرفة أكثر الفتيات اللواتي يقبض عليهن في خلوة محرمة ، والإحصائية هنا في فئة الطالبات .
أكثر الفتيات اللواتي يقبض عليهن في خلوة محرمة هن طالبات المرحلة الثانوية ، ثم طالبات المرحلة المتوسطة ثم الجامعية ثم طالبات السادس ابتدائي ، وأسوق إليكم هذه الإحصائية لمركز هيئة واحد ولفترة زمنية محددة وفق الجدول الآتي :
1. طالبات السنة السادسة الابتدائية ( 6 ) ست طالبات .
2. طالبات المرحلة المتوسطة ( 75 ) خمس وسبعون طالبة. قبض عليهن في خلوة محرمة .
3. طالبات المرحلة الثانوية ( 91 ) واحد وتسعون طالبة . قبض عليهن في خلوة محرمة .
4. طالبات المرحلة الجامعية ( 38 ) ثمانٍ وثلاثون طالبة . قبض عليهن في خلوة محرمة .
أحببت أن أقدم هذه المحاضرة بهذه القصة وهذه الأرقام حتى يدركَ الجميع خطر الموضع وأهميةَ بيانه .
ثانياً : لم أكن أرى قبل خمس عشرة سنة طرح هذا الموضوع علناً بهذا الوضوح ؛ لأن المرأة كانت غافلة ، والغفلة صفة مدح وثناء للمرأة العفيفة كما قال الله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } (النور23) . أما الآن فقد تغير الحال ، وأصبح الانحراف العاطفي ظاهرة في المجتمع ، وعمل الهيئات بضبط القضيا لا يكفي في العلاج ، فلم تزل عدد القضيا في ازدياد مستمر ، بل لابد من الطرح النظري الذي يحقق التحصين والتحذير من هذا الانحراف للآباء والأمهات والمربين والمربيات والشباب والفتيات .
لقد ترددت كثيراً في طرح هذا الموضوع بهذه التفاصيل ، وشاورت عدداً كبيراً من المشايخ وطلاب العلم ، فمن كان منهم له دراية بخطر الموضوع أو كان عاملاً في الهيئات فإنه لم يتخلف واحد منهم عن القول بأهمية طرح هذا الموضوع بهذه التفاصيل وزيادة ، ومع ذلك فقد حذفت قدراً مهماً من التفاصيل ، وحرصت على انتقاء العبارة التي تؤدي الغرض وتحفظ حق احترام مسامع الناس .
ثالثاً : هذا الموضوع موضوع حساس ، وقد يجرح مشاعر بعض الناس وخصوصاً ممن خطا في طريق الانحراف ، أو كان له تجربة فيه ، ولذا فإني أعتذر إليهم ، وأجد نفسي مضطراً بعدما استفحل المرض إلى العرض الصريح للموضوع حماية للعفاف وإنقاذاً لمن زلة به القدم ، ومع ذلك فإني سأسعى جاهداً في انتقاء الجمل والكلمات وربما أترك بعض القصص وبعض التفاصيل مراعاة لمشاعرهم .
رابعاً : أحببت ألا أطرح هذا الموضوع إلا بعد الإعداد المتين له ، وقد مضى على إعداده قرابة السنتين ، التقيت خلالها بعدد كبير من أعضاء هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المنطقة الشرقية والوسطى والغربية ، والتقت كذلك بعدد كبير ممن وقع في الانحراف العاطفي من الشباب التائب وعدد ممن لم يزل في طريق الانحراف ، وكان من مصادري في ذلك استبانة وزعتها على جميع هذه الفئات.
خامساً : أرجو بطرح هذه المحاضرة أن تكون سبباً مؤثراً في صيانة الفضيلة والحد من ظاهرة الانحراف العاطفي بين الشباب والفتيات بتوعية المجتمع و تحصين الفتاة وأهلها وعلاج من وقع في أسر الانحراف العاطفي .
سادساً : ما أذكره من قصص كله ثابت دون مبالغة ، فهي قصص باشرتها بنفسي ، أو أخذتها من عضو هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي باشر القضية ، أو من شاب أدرك حياة الجاهلية ثم من الله عليه بالتوبة والاستقامة .
وبعد هذه المقدمة أنتقل إلى المظاهر ثم الأسباب ثم العلاج .
والسؤال هنا : كيف يستطيع الشباب استدراج الفتيات ؟
والجواب : عادة ما تمر علاقة الشاب بالفتاة بثمان مراحل . وما سأذكره من مراحل يعرفها الشباب المنحرف حق المعرفة ، ولكن المشكلة جهل الأبوان بها وكذلك الفتاة التي يتم استدراجها وهي لا تعلم ، وهنا تأتي أهمية بيان هذه المراحل ، ولا يمكن أن نستبين سبيل هؤلاء المجرمين إلا بكشفها . ومصالح ذكر هذه المراحل الآن تربو على مفاسد السكوت عنها .
المرحلة الأولى : الحصول على رقم هاتف الفتاة والاتصال بها ، وهذه أهمُّ وأخطر مرحلة ؛ لأن الفتاةَ هنا تكون هي الأقوى ، وإذا أغلقت الباب ولم تستجب له نجت بإذن الله تعالى .
المرحلة الثانية : البدء بالمكالمات ، ولا يريد الشاب من الفتاة في هذه المرحلة أكثرَ من أن تقبل الاستماع إليه . فيجري الحديث بينهما على حياء منها بأسلوب هادئ ولغة نظيفة ، والهدف كما ذكرت هو أن يجري بينهما كلام فقط ، وأن تتكرر هذه المكالمات ، ويتحدث الشاب معها غالباً باسم مستعار .
المرحلة الثالثة : تكوين العلاقة العاطفية .
إذا تكررت المكالمات فإن الميل العاطفي يقع في قلب الفتاة بكل سهوله ، وليس ثمت أقوى في تقوية العلاقة العاطفية من تكرار المكالمات ، ويستعمل الشاب في هذه المرحلة وسائلُ أخرى كسماع مشاكلها المدرسية أو البيتية والسعي في حلها ، وإشعارها بصدقه وأمانته حتى تطمئن إليه ، وأنها محلَّ اهتمامه الخاص ، حتى تتعلق الفتاة عاطفياً بهذا الشاب وربما أهداها هاتفَ جوال ، أو رقمَ شريحةِ بطاقةٍ مسبوقةِ الدفع ، حتى تكلم بجوال آخر لا يعلم عنه أحد من أهل البيت .
المرحلة الرابعة : إذا تعلقت الفتاة بهذا الشاب يكثر الحديث بينهما عن جانب المحبة والارتياح والرغبة في الزواج ، فتعيش الفتاة حينها في الأوهام ، ولا ترى في هذا الشاب إلا صفاتَ المدح والثناء ولا ترى العيوب ، ولا تطيق الصبر عنه ، وتكون حينها في غاية الضعف أمامه.
المرحلة الخامسة : الخروج معه بالسيارة للمرة الأولى ، ويكون هدف الشاب منها هو كسر حاجز الخوف ، ولذلك فإنه يكتفي بالتجول بالسيارة قليلاً ، ثم يعيدها بسرعة ، ومع ذلك فهي خطوة جريئة تخطوها الفتاة بسبب التعلق العاطفي الذي أعمى بصرها .
المرحلة السادسة : تكرار الخروج معها بالسيارة والنزول معها في المطاعم العائلية ، وربما ذهب بها إلى بعض الأماكن العامة كالمنتزهات والملاهي والحدائق . ومن علامات الريبة دخول شاب وفتاة في مطعم عائلي في الفترة الصباحية وقبيل صلاة الظهر في أيام الدراسة .
وخلال المرحلتين السابقتين يُكثر فيها الشاب من كلمات المديح والثناء والإعجاب ، وأنه يريد الزواجَ منها ، ويصحب ذلك تقديم الهدايا ، ولا تكاد أن تسلم أي علاقة من هدية الجوال ، ويحاكي الشاب فيها نفسيةَ وميولَ الفتاة ، فيكون مهتماً كثيراً بمظهره ، ونوعِ الجوال والرقمِ المميز ، واختيار السيارة المناسبة والتي قد يستعيرها أو يستأجرها . والشباب المتمرس في استدراج الفتيات غالباً ما يكون لديه أكثر من جوال ، ويخسر خلالها أموالاً كثيرة بسبب فاتورة الهاتف .
وخلالَ المراحلِ السابقةِ أيضاً يستميت الشاب في الحصول على ما أمكن من المستمسكات على الفتاة بدأً بستجيل جميع المكالمات ، والاحتفاظ بما يأخذه منها من صور أو غيرها ، وربما قام بتصويرها بالتصوير الفتغرافي أو الفديو من خلال كمرة الجوال ، أو بعض الكمرات الصغيرة التي يخفيها في السيارة أو في المكان الذي يختليان فيه .
وهذه المستمسكات عبارة عن ضمانات يضعها الشاب في يده ضد هذه الفتاة ، حتى يضمنَ استمرار العلاقة بها ، ويضمن عدم تبيلغها عنه لو تابت من فعلها ، وأهم أهدافه هو أن يهددها بإيصالها إلى أهلها ونشرها في الأنترنت إن رفضت الخروج معه والخلوة به . وبعض الشباب ينشر في الإنترنت كل صورة لفتاة يحصل عليها . ولما ضبط أحد الشباب في حالة اختلاء وجد في سيارته ألبوماً مليئاً بالصور لفتيات كثيرات وهن في أوضاعٍ مختلفة .
المرحلة السابعة : الاختلاء الأشد إن صح التعبير ، ويكون في مكان خاص ؛ كالمنزل أو الفندق أو الشقق المفروشة أو الاستراحة . وكل فتاة رضيت بأن تختلي مع شاب في مثل هذه الأماكن ، فقد أعلنت تركها للعفاف ، ولحوقها بركب البغايا والمومسات . ويستعمل الشباب حينها عدداً من الوسائل التي لا أرى من المناسب ذكرها والتي يتحقق بها اغتيال الفضيلة .
المرحلة الثامنة : بعد المرحلة السابعة تدخل الفتاة في نفق مظلم ، وتعاني من آلامٍ نفسية ، وتدخل في دوامةٍ مليئةٍ بالمشاكلِ المعقدة . وقد وقفت على عدد كبير من هذه المشاكل من خلال أسئلة الهاتف ولا يدرك كربها إلا من عايشها : مشكلةُ حمل السفاح ، ومشكلةُ ستر الفضيحة بالزواج ، وحينما يتخلى الشابُ عنها ، وحينما يتقدمُ لخطبتها فيرُفض بسبب الأعراف الاجتماعية . وتبقى هذه الفتاة بلا زواج أو تتزوج وتعيش معاناة أخرى تنتهي غالباً بالطلاق .
والفتيات اللواتي يبادرن الشباب بالاتصال ، وتركب مع أي شاب منحرف دون المقدمات السابقة هن في الحقيقة ممن مررن بالمراحلِ السابقة وتجرأن على الفساد .
وغالباً ما تكون عرضة للتعرف على الشباب والاتصال المحرم متى ما سنحت لها الفرصة .
إن تلك الفتاة لم يخطر ببالها حينما كانت عفيفةً أنها ستخلو بشاب أجنبي عنها في يوم من الأيام ، ولكن اتباعها لخطوات الشيطان أوقعها في جريمة العلاقة مع شاب أجنبي عنها . قال الله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ } ( النور 21 ) .
إن أخطرَ المراحلِ السابقة هي المرحلةُ الأولى وهي قضية الاتصال الهاتفي ونظراً لغفلة كثير من الناس عن مخاطره فسأبين موضوع الاتصال الهاتفي عند الذئاب البشرية في استدراج الفتيات :
أهم ما لدى الشباب المنحرف من أجل اصطياد الفتاه هو الحصول على رقم هاتفها ، ولديهم وسائلُ كثيرة من أجل الحصول على رقم الهاتف ؛ ومن وسائلهم : الاتصال العشوائي حتى يقع على صوت فتاه ، فتغلقُ السماعةَ في المرة الأولى ، ثم يستمر في معاودة الاتصال وإرسال رسائل الجوال حتى تضعف .
ومن وسائلهم : ما يسمى بالترقيم وهي الطريقة الشائعة بين الشباب ، وهو أن يكون لدى الشاب أوراقٌ صغيرةٌ وضع فيها رقمه واسمه المستعار ، ويرميه على الفتيات المتبرجات في الأسواق والأماكن العامة وربما وضعه في الحقيبة أو كيس الأغراض ونحو ذلك . فتأخذه الفتاة وهي لا تريد الاتصال عادة ولكن قد تأتيها لحظات ضعف فتتصل ، أو أنها تعطي الرقم لزميلتها فتتصل .
ولهؤلاء الشباب الساقط تفنن في كيفية صيد الفتيات بالترقيم ، فهذا شاب عرض رقم جواله للبيع في جريدة جامعية ؛ لأنه يبدأ بــ (055 ) وهذا له دلالة عند كثير من الساذجات ، فاتصلت إحدى طالبات الجامعة بكل بساطة من أجل شراء الرقم ، واستطاع الشاب استدراج الفتاة وبعد شهرين فقط من الاتصال الأول استطاع أن يأخذها من الجامعة أيام الاختبارات وأن يركبها في سيارته ، وضبط مختلياً بها في بيت أحد أقاربه .
ومن الطرق أيضاً حصول الشاب على الرقم من طريق إحدى زميلاتها ، وربما أخذ الرقم من دفتر تلفونات قريبته . ومن أشهر طرق الوصول إلى الهاتف هو شبكة الأنترنت من خلال برنامج المحادثة ( الشات ) ولا يدخله الشباب إلا بحثاً عن الفتيات ، فيمكث عدة ساعات فإذا تعرف على فتاة نقلها من الغد على المسنجر وتبدأ العلاقة بينهما عبر المسنجر أو البريد الاكتروني ويستمر التواصل بينهم على هذه الحال عدة أسابيع حتى يتحقق من ميل عاطفة الفتاة إليه وتعلقها به ، ثم يأخذ منها رقم الهاتف .
والشيطان يستدرج الطرفان ، بل يأتي الحديث أحياناً من الشاب بالرغبة في التوبة إلى الله ويسأل عن بداية الطريق فتسعى الفتاة في دلالته على بعض الكتب والأشرطة النافعة ، وربما كان العكس هو الذي يبدأ بدلالتها على الخير ؛ لأن هدف الشاب تكوين العلاقة وأن يجري الحديث بينهما حتى تقع في شراك العلاقة العاطفية ، وأذكر هنا قصة مؤثرة :
قدمت مرة محاضرة في إحدى المدارس الثانوية للطالبات : وكان من ضمن الأسئلة المكتوبة : أن فتاة تعلقت بشاب من خلال الهاتف ، واستمرت الاتصالات بينهما وكان يحثها دائماً على طاعة الله ، وذكرت أنها حافظت بسببه على صلاة الوتر وأذكار الصباح والمساء ، ولكنه في النهاية دعاها للخروج معه .
ومن القصص المؤثرة قضية ضبطها أعضاء الهيئة ، وهي أن شاباً سيئاً كان يتصل اتصالاً عشوائياً ، فوافق أحد الاتصالات هاتف امرأة فلما أجابت علمت أنه من المعاكسين فأغلقت السماعة ، ثم عاودها مراراً وكلما رفعت السماعة أغلقتها حتى اتصل مرة فقال اسمعي مني فقط ولا تتكلمي . فبين لها أنه شاب يبحث عن فتاة عفيفة وأنه لا يبحث عن غير ذلك وشكرها على إغلاق الهاتف وأن هذا دليلٌ على عفتها ، وأخبرها بأنه سيأتي لأبيها من أجل خطبتها ، وتوالت الاتصالات بعد في متابعة مشروع الزواج ، وأخبرها بأنه قد بنى بيتاً وأنه على مشارف الانتهاء ودعاها لأن تراه ، ودعاها الفضول أن ترى الببيت بعدما تعلقت بذلك الشاب النظيف في نظرها ، وحتى لا تقع في الخلوة المحرمة جاءت مع زميلتها فركبتا معه ، ثم أدخلهما منزله الجديد ، وعند المرور على الغرف دخلت إحداهما غرفةً فدفعها فيه وأغلق الباب ، ثم دفع الثانية إلى الغرفة الأخرى وأغلق الباب ، واعتدى على الأولى ثم اعتدى على الثانية .
ومن طرق الاتصال الذي يسبب الانحراف ، هو الاتصال الرسمي إن صح التعبير : فهذه امرأة اتصلت على وكيل مدرسة أهلية من أجل متابعة ابنها . تكرر الاتصال واستطاع استدراجها بكلمات الثناء والتقدير ، وتكونت العلاقة بينهما ، وبعد مضي سنة ضبطا من قبل الهيئة في خلوة محرمة .
وقصة مشابهة لشاب منحرف اتصل على إدارة مدرسة أهلية من أجل السؤال عن أخته التي تدرس بها ، تكرر الاتصال بهذه الإدارية فتمكن من استدراجها ، وضبطا بعد مدة في خلوة محرمة .
ومن صور الاتصال أن يتصل الشاب بزميله في المنزل فتردُّ أختُه على المتصل ، ويتكرر الاتصال في أوقاتٍ مختلفة و يطرح المتصل فيها بعض الأسئلة : أين فلان ؟ متى سيأتي ؟ إذا جاء أخبروه بأن فلان زميله اتصل به . فتتعرف على صوته ويتعرف على صوتها ، والعلاقة دائماً لا تحدث إلا مع التكرار ، وربما تعمد بعد فترة اختيار الأوقات المناسبة التي لا يكون زميله موجوداً في المنزل ، ويبرر اتصاله بالمنزل بأن جواله مقطوع أو لأنه أقلَ في التكلفة . وكثيراً ما يقبض الشاب مع فتاه وتكون أختاً لصديقه الحميم .
ومن القصص المؤثرة أن اثنين من الشباب كان بينهما صداقة قوية وتفاني ، وكانوا يجتمعون على معاكسة النساء . وفي يوم من الأيام اتصلت الهيئة بأحدهما لاستلام أخته التي قبض عليها في خلوة محرمة مع أحد الشباب ، تأثر الشاب كثيراً ، وكانت الصاعقة عليه حينما علم أن الذي اختلا بها هو صديقه الحميم .
اتصلت مرةً فتاةٌ في المرحلة المتوسطة على زميلتها فرد أحد الشباب في البيت وتبين أنها قد أخطأت في الرقم . انتهت المكالمة وراجعت الرقم ثم اتصلت على الرقم الصحيح لزميلتها ، وأخبرتها بالاتصال الأول وأنها لقيت ارتياحاً من صوت ذلك الشاب وأدبه في الرد ، فأشارت عليها زميلتهُا أن تعاود الاتصال ، رفضت الفتاة بشدة ثم ضعفت واتصلت مرة أخرى ، يقول هذا الشاب : عرفت الرقم فكانت تتصل وهي ساكتة ولا تتكلم بحرف فكنت أتحدث لوحدي ، وأعلم بأنها رافعة للسماعة بحركة السماعة ، ومضيت على هذه الحال مدة من الزمن ، وبعد ذلك بدأت تخرج بعض الكلمات مثل كلمة نعم ونحو ذلك . تطورت الأحوال وتكونت العلاقة بيننا مدت ثمان سنوات ، وبسبب انشغال ذهني بها انخفض معدلي تركت دراستي ، وبسببها ساءت علاقتي بأهلي . وهو الآن يعيش حالة نفسية بسبب ما أصابه .
هنا موضوع مهم ، إذا تكونت العلاقة المحرمة بالهاتف فكيف يلتقي الشاب بالفتاة والمجتمع محافظ ويرفض هذه العلاقات ؟
والجواب : تتحقق اللقيا عادة عن طريق الاحتيال على أهلها .
كثيراً ما تتم اللقيا بين الشاب والفتاة في الأسواق فينزلها والدها أو السائق إلى السوق وتكون قد تواعدت معه عند محل معين وساعة معينة ، فتركب معه . وأحيناً تنزل مع بعض أهلها وإذا نزلوا إلى السوق تفرقوا بحكم أن هذه تريد سوق الذهب ، والأخرى تريد الأقمشة ، فتخرج مع ذلك الشاب في مدة التسوق .
وليس الأمر مختصاً بالأسواق بل كل مكان تذهب إليه المرأة ينزلها فيه وليها ثم يعود إليها في وقت لاحق ، ولذلك فإن كثيراً ما يضبط أعضاء الهيئة قضايا الخلوة عند المنتزهات والملاهي وصالات الأفراح والمشاغل والمستشفيات والمستوصفات والمدارس والجامعات .
وتكثر حالات الاختلاء في أوقات الانفلات في الدوام ؛ كأيام الاختبارات ، وأيام التسجيل ، و كم هو مؤسف أن أقول بأنه يكثر أيضاً في شهر رمضان بسبب كثرة تسوق النساء فيه .
وهذا النوع من اللقيا يكون في المرات الأولى ثم يتطور الأمر فتكون اللقيا في المنازل أو الاستراحات ، وبعض الشباب يكون لديه شقة أو استراحة مخصصة لهذا الغرض ، وربما اشترك فيها مجموعة من الشباب .
ويأتي بعضهم بالفتاة إلى منزله في أوقات غيبة أهله ، كوقت الصبح ، أو في حال سفرهم . وربما دعت الفتاة الشاب إلى منزلها في غيبة أهلها .
ولدى بعضهم حيل وجرأة عجيبة فيلتقيان حتى مع وجود أهل المنزل :
تعلقت إحدى الفتيات بشاب وتطورت العلاقة ، وكانت قد أخبرت زميلتها بتعلقها بذلك الشاب ، فاقترحت زميلتها وهي متزوجة أن يكون اللقاء في شقتها الصغيرة ، وأخبرت زوجها بأن زميلاتها سيأتينها ، وبما أن الشقة صغيرة فإنه لابد أن ينشغل مدة بقائهم عندها خارج المنزل ، جاء هذا الشاب إلى هذه الشقة ، واجتمع بالفتاة ، فانظر كيف استغفلت أهلها ، وجعلت وليها هو الذي يوصلها إلى مكان الجريمة الآمن .
أما أسباب وقوع الفتاة في الانحراف العاطفي فكثيرة وأهمها الآتي :
السبب الأول : ضعف الإيمان بالله ، وقلة سماع المواعظ وقلة حضور مجالس الذكر .
السبب الثاني : القنوات الفضائية التي تنشر الرذيلة ؛ ويتفق العاملون في الهيئات أن القنوات الفضائية من أبرز الأسباب التي تهيج الشباب والفتيات وتدعوهم إلى الانحراف .
وليعلم الذي أدخل القنواتِ الفضائية المحرمة في بيته أنه : يشحذ السكين التي يتم بها اغتيال الفضيلة في بيته وهو لا يشعر .
السبب الثالث من أسباب الانحراف العاطفي : سماع الغناء ، و هو بريد الزنا كما قال أهل العلم ؛ لأنه يهيج العواطف وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف " أخرجه البخاري تعليقاً بصيغة الجزم من حديث أبي عامر أو أبي مالك الأشعري _ . وقد صححه جم غفير من العلماء منهم البخاري والنووي وابن تيمية وابن القيم وابن حجر .
وثبت عن عبدالله ابن مسعود _ أنه قال : " الغناء ينبت النفاق في القلب " أخرجه ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي بسند صحيح .
وما أجمل كلام ابن القيم رحمه الله في حديثه عن حكمة الشرع في النهي عن سماع الغناء حيث قال : " فاعلم أن للغناء خواصاً لها تأثيرٌ في صبغ القلب بالنفاق ، ونباته فيه كنبات الزرع في الماء .
فمن خواصه : أنه يلهي القلب ويصده عن فهم القرآن وتدبره والعمل بما فيه ، فإن القرآن والغناء لا يجتمعان في القلب أبداً ، لما بينهما من التضاد ، فإن القرآن ينهى عن اتباع الهوى ، ويأمر بالعفة ، ومجانبة شهوات النفوس ، وأسباب الغي ، وينهى عن اتباع خطوات الشيطان .
والغناء يأمر بضد ذلك كله ويحسنه ، ويهيِّجُ النفوس إلى كل شهوات الغيّ .. " إلى أن قال : " فيميل برأسه ، ويهِزُّ منكبيه ، ويضرب الأرض برجليه ، ويدق على أم رأسه بيديه ، ويثب وَثبات الدِباب ، ويدور دورانَ الحمار حولَ الدولاب .. وتارةً يتأوهُ تأوهَ الحزين ، وتارةً يزعقُ زَعقاتِ المجانين .. " إلى أن قال : " فالغناء يفسد القلب ، وإذا فسد القلب هاج في النفاق ". انتهى كلام ابن القيم رحمه الله .
ويتأثر النساء كثيراً بشكل المغني ولباسِه وحركاتهِ ، تقول إحدى النساء وهي ممن يشاهد الغناء في التلفاز ، تقول : " إذا رأيت المغني يغمز بعينه أشعر بأنه يقصدني " وهذا كلام امرأة متزوجة تجاوزت الثلاثين فكيف سيكون حال الفتيات الصغيرات .
السبب الرابع من أسباب الانحراف العاطفي : ضعف متابعة الأبوين لأبنائهم وبناتهم ، فالأب لا يدري أين ذهبت ابنته ، ولا من أين جاءت ؟ ولم يطلع يوماً على جوال ابنته وما فيه من رسائل وأرقام مخزنة ، ولا يعرف حال صديقاتها وعلى ماذا يجتمعون ؟ والسائق يقوم بالمهمة .
وقد ذكر بعض التائبين أن بعض الآباء لا يسأل عن ابنته مطلقاً وربما باتت في غير المنزل وهو لا يعلم. و أعضاء الهيئة يدركون تماماً أن هذا ليس فيه مبالغة .
ذكر لي أحد أعضاء الهيئة : أن فتاة تعرفت على شاب وهما من سكان المنطقة الشرقية ، وصعب عليهما اللقاء ، وفي الإجازة الصيفية سافرت هذه الفتاة مع أهلها إلى مكة ، وأخبرت صديقها بذلك ، فسافر إلى مكة وكان يلتقي بها يومياً بحجة ذهابها إلى السوق ، أو بقائها في الحرم بين المغرب والعشاء ، وفي أحد الأيام استأجر سيارة وذهب بها إلى جدة ، وتم القبض عليهما هناك وكانت في غاية التبرج والزينة ، ولما تم استدعاء أبيها كان يؤكد بأن ابنته في الحرم . فانظر إلى غفلة الأبوين إلى ماذا تؤدي .
ومن المناسب أن أذكِّر هنا بتساهل كثير من الآباء والأمهات مع بناتهم إذا ذهبوا إلى مكة ، فيترك البنات هملاً يذهبن إلى الأسواق والساحات وهن متبرجات ، حتى أصبحت ظاهرة يتأذى منها الكثير ، إنني والله أتعجب كيف تأتي المرأة إلى مكة لتعتمر فتطوف وتسعى بالعباءة المتبرجة عباءةِ الكتف والعباءةِ المخصرة ونحوها ، التي لا يفهم منها الرجال إلا شيئاً واحداً وهو أن هذه المرأةَ ضعيفةُ العفة والحياء .
وأتعجب أكثر من ضعف رجولة وغيرة أبيها وزوجها وأخيها ؛ فيرضى بأن تكون قريبته مثاراً للفتنة عند الرجال الأجانب ؟ .
السبب الخامس من أسباب الانحراف العاطفي: جهاز الجوال الخاص ، والإنترنت .
السبب السادس : خروج الفتاة إلى الأسواق والمحلات بلا محرم . إن أخطر الأماكن كلها على النساء هي الأسواق المختلطة ، والخطر يأتي من بعض الباعة والشباب المتسكع ، الذين يتعرضون للنساء بالمعاكسات والترقيم ، والدخول في الأماكن المزدحمة من أجل الاحتكاك بالنساء ، وربما تابع المرأة المتبرجة مدة طويلة حتى يحاسب عنها ، أو يطلب حمل الأغراض عنها ، وغير ذلك من الطرق السيئة في إيذاء النساء ؛ وإن كان هؤلاء الفساق يتفقون على عدم التعرض للمرأة العفيفة ، وقد حدثني عدد من التائبين بأن المرأة التي تلبس عباءة الرأس وتلبس القفاز والشراب الأسود لا يمكن أن يتعرض لها أحد . فإذا تعرضت امرأة لموقف من قبل هؤلاء الشباب فلتعلم أنها قد قصرت في حجابها .
و السوق أيضاً أنسب مكان للمواعيد الأولى للشاب والفتاة ، ولذلك فإن (70 % ) من عمل الهيئات تقريباً يكون في الأسواق .
ومن مخاطر السوق أن كثيراً من الباعة لديه مقدرةٌ عالية على استدراج النساء ، والقرب منها بحجة تقريب البضاعة ، والحديث معها بطريقة تفصيلية عن اللباس ، و كثير من العمالة في هذه المحلات يأتي أولَ ما يأتي إلى هذا العمل بهيئة رثة ثم لا يلبثُ شهراً ، إلا وقد غير هيئته ولباسه ، وفتح صدره وقص شعره بطريقة معينة .
ومن الفتن الواضحة في الأسواق مجسم المرأة الذي توضع عليه الملابس والذي يسمى بالمانيكان ، وهذا المجسم يبرز مفاتن المرأة وكثيرٌ منها يصف تفاصيلَ عورة المرأة ، وأعتذر أن أصرح بهذا ولكنه واقع يراه النساء والرجال في المحلات ، وهذه المجسمات لا يجوز نظر الرجال إليها لأنها مثيرة للفتنة ، فكيف إذا وضع عليها الملابس الضيقة والملابس الخاصة ؟ ولك أن تتصورَ الآثارَ السلبيةَ حينما تقهرُ المرأةُ حياءَها وتدخل هذه المحلات لتسأل وتشتري تلك الملابس من أولئك العزاب .
لقد علمت واقع الأسواق والوقت يضيق عن ذكرها ، ولدي قناعةٌ فقهيةٌ بأنه لا يجوز للمرأة أن تذهب إلى هذه الأسواقِ بغيرِ محرم لما في ذهابها بدونهِ من المفاسد التي سبق ذكرها ، ولما فيه من الاختلاط المحرم وقد نبه إلى ذلك فضيلة الشيخ حمود التويجري وفضيلة الشيخ محمد بن عثيمين رحمهما الله . والاختلاط الموجودُ في الأسواق ربما يكونُ أكثرَ شراً من اختلاط المستشفيات في بعض الجوانب.
ومن القضايا التي ضبطت من قبل الهيئة قصة امرأة كانت تذهب دون محرم إلى محل حلويات من أجل الشراء ، وكان البائع وسيماً وهو من إحدى الدول العربية ، ومع كثرة مجيئها إلى المحل استدرجها وتكونت العلاقة ، وارتقت إلى الاتصال بالهاتف ، ومع مضي المدة بدأت تدعوه إلى منزلها أثناءَ غَيابِ زوجها ، واستمرت الأمر على هذه الحال مدة طويلة ، ثم جاء البلاغ عنه من قبل صاحب المحل الذي كان قد وضع جهاز تسجيل لضبط مكالمات المحل ، فقدم شكوى رسمية إلى الهيئة ووثقها بهذه الأشرطة، ضُبط على إثرها العامل ، وكذلك المرأة .
السبب السابع : الخلوة بالسائق ، وأحياناً تكون الخلوة خفية ، كالحال في الحافلات التي تقوم بتوصيل المعلمات والطالبات ، فتحصلُ الخلوةُ حينما تكونُ هي أولُ مَن يأخذها ، أو آخر مَن يُنزلها .
فهذا شاب متزوج يعمل على إيصال الطالبات إلى الجامعة في حافلة صغيرة . لَحظ حارس إحدى الإدارت الواقعة أمام شقة هذا السائق أنه يأتي إلى منزله كل يوم بفتاة تختلف عن الأخرى وذلك بعد خروج زوجته إلى العمل . فاتصل في أحد الأيام على الهيئة وأخبرهم بأن امرأة دخلت معه شقته الساعة السابعة ، وضبطت الفتاةُ مع هذا الشاب بعد خروجهما من المنزل في الساعةِ الثانيةَ عشرة ، وتبين أنها إحدى الطالبات اللواتي يوصلهن إلى الجامعة ، وكانت هذه الطالبة تدرس بنظام الساعات في السنة الثالثة ، وتبين أنه ليس لديها ساعاتٌ دراسيةٌ صباحَ يومِ الثلاثاء ، وأنها قد ضللت أهلها بذلك ، وتم إحالتها إلى سجن الفتيات .
ومن القصص أنه في أثناء تجول الهيئة في الصباح وجدوا على الشاطئ سيارة على حال مريب فقربوا منها ، ووجدوا فتاة مع سائق هندوسي في حالة سيئة ، وبعد إحضارهم إلى المركز ذكرت أن حصول ذلك متكرر على التناوب بينها وبين أختها ، وكان الأب في غاية الغفلة عن بناته .
السبب الثامن من أسباب الانحراف العاطفي : السفر إلى الخارج ؛ إلى بلاد الفسق والفجور من البلدان العربية والأوربية وغيرها الذي يربي الفتيات على التكشف وضعف الحياء .
تعرف شاب بفتاة في لندن ، وكانا قد ذهبا إلى لندن مع اسرتيهما ، وبعد رجوع الأسرتان إلى هذه البلاد استمرت العلاقة المحرمة بين الشاب والفتاة ، وعلمت بهذه القصة حينما جاءني اتصال بالهاتف عن حكم اسقاط جنينها بعدما ظهر عليها حمل السفاح ، ثم أسقطت جنينها ظلماً وزوراً ، ووالداها وأهلها لا يزالون في غفلتهم .
السبب التاسع : تبرج الفتاة إذا خرجت إلى الجامعة أو السوق أو غير ذلك . .
السبب العاشر : النظر المحرم من الرجل والمرأة في التلفاز والأسواق وغيرها .
السبب الحادي عشر : الصحبة السيئة . وهذا من أهم أسباب فساد الشباب والفتيات ، وصديقة السوء هي التي تتحدث مع زميلاتها في المدرسة أنها تتصل بأحد الشاب ، أو تعطيهن أرقام الشباب ، ومن أسوء السيئات التي تعرف بعض الشباب على زميلاتها . وكم من فتاة دخلت الجامعة وهي عفيفة ، فلا يمضِ عليها إلا شهر واحد حتى تلحق بركب العباءات المتبرجة بسبب ما تشاهده من حال رفيقات السوء .
السبب الثاني عشر : كثرة غَياب الأب أو المسؤول عن المنزل وانفلات إدارة المنزل .
السبب الثالث عشر : اختلاط الرجال بالنساء في الأعمال والدراسة ، كالمستشفيات وكليات الطب.
حدثني أحد الاستشاريين في أحد المستشفيات الكبرى بأن طبيباً مقيماً وطبيبة مقيمة وكلاهما من أهل هذه البلاد تكون العلاقة العاطفية بينهما في العمل ، وأصبحا يغلقان عليهما الباب كل يوم في إحدى غرف المستشفى فترة الغداء .
السبب الرابع عشر من أسباب الانحراف العاطفي : الاختلاط الأسري . فتسكن أكثر من أسرة في بيت واحد ، أو أن يختلط الرجال والنساء في الصالة أو المجلس ، أو أن تفتح المرأة الباب للرجل في غيبة رب الأسرة لأن الطارق ابن عم ولا يغلق الباب دونه ، فتفتح له الباب وتدخله المجلس وتقومُ بضيافته ، و مع الغفلة وتغليب حسن الظن تحدث المأساة .
اتصل بي رجل ليسألني عن مشكلة حصلت له ، ومع كثرة سماعي للأسئلة المؤلمة إلا أن هذا السؤال كان صدمة عنيفة ، وملخص القصة : فتاةٌ سافرت إلى مدينة أخرى من أجلِ الدراسةِ الجامعية ، وسكنت عند أختِها المتزوجة ومكثت عندهم أربعَ سنوات ، وأثناء سنواتِ الدراسة تكوَّنت العلاقة بين الفتاةِ وزوجِ أختها ، وأصبح يخرج معها كثيراً دون علم زوجته ، ثم ظهر الحمل ولم تتمكن من إسقاطه ، ولما جاءت ساعة الولادة ذهب بها إلى المستشفى على أنها زوجته ، ونسب الولد إليه وأن أمه هي زوجته ، وقد بذلا شيئاً عجيباً من أجل إخفاء هذه الحقائق ، وأوهمت الزوجة بأن أختها حملت من شخص آخر وأن الزوج سعى في الستر عليها بنسبة الولد إليه وأن تقوم زوجته بتربيته ، وإضافة إلى كل هذا يريد أن يطلق الأولى وأن يأخذ أختها ، لقد أخذت هذه المشكلة عدداً من المكالمات المطولة عانيت من سماعها . ومنشؤها هو التساهل في جانب الاختلاط ، وأن الحمو أشد خطراً من البعيد .
السبب الخامس عشر : الضعف العاطفي من الأبوين وكثرة المشاكل في البيت . والإشباع العاطفي من الأبوين لا يعالج أصل الفراغ العاطفي للفتاة ولكنه يساعد في العلاج . وأكثر الفتيات اللواتي يقبض عليهن وهن في سن المراهقة يبررن خروجهن مع الشباب بسبب الضغط الذي تعانيه من والديها . ولذلك فإنه من المهم أن يدرك الأبوان طبيعة سن المراهقة ، وأنه لا يكاد أن يسلمَ المراهقون من كثرةِ لومِ الأبوين ، فيشعر المراهق كثيراً بأنه مظلوم ومضطهد . فإذا أدرك الأبوانِ ذلك عرفوا كيف يتعاملون مع أبنائهم وأولادهم بلغة المحبة والعاطفة والتفاهم والحوار والإقناع .
ومن القضايا المؤلمة في المنطقة الغربية : فتاةٌ عمرها ثمانيةَ عشرَ عاماً ، كانت تعاني من أهلها ومشاكل بيتها ، ثم تعلقت بأحد الشباب ، وعلقت عليه جميع الآمال ، وظنت أن حياةَ الراحةِ والاستقرار لن تكون إلا معه ، ولشدةِ هِيامهِا في ذلك الشاب اتخذت قرار الهروب من بيت أهلها إليه وهو في مدينة أخرى ، ولما استقرت عنده ، تحول من حمل وديع إلى ذئب مفترس وأسكنها في عزبة للشباب ، واعتدى عليها ، ولدناءته وسوء طويته ، مكن بعده سبعة من أصحابه ليعتدوا عليها تباعاً . ثم تحولت حياتها إلى مأساة ، ولم تضبطِ القضيةُ في الهيئة إلا بعد أن تمكنت من الهروب من هذه العزبة . فإنا لله وإنا إليه راجعون .
وبعد عرض الأسباب أبدأ بالعلاج :
إن أهم جانب في علاج الانحراف العاطفي هو حماية الفتاة وتحصينها حتى لا تقع ، وهذا هو الهدف الأساس من هذه المحاضرة ، وحتى التي وقعت أو بدأت فسأذكر بإذن الله تعالى طرق العلاج .
الطريق الأولى : أول الحلول وأهمها هو الزواج المبكر للفتيات والشباب كذلك ، و ينبغي أن نعلم أن الله تعالى خلق العاطفة في الرجل والمرأة ، حتى يسعى الإنسان إلى تكوين الحياة الزوجية ، وحتى يتحقق الاستقرار والسكن والرحمة والمودة في هذه الحياة الزوجية ، وحفظاً لبقاء النسل . قال الله تعالى : { ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون } سورة الروم آية 21.
ومن المهم أن نعلم أيضاً أن هذه العاطفة تظهر في سن المراهقة عند وصول الإنسان إلى سن التكليف الشرعي . وتصل المرأة إلى سن التكليف عادة قبل الرجل بمتوسط سنتين ونصف ، ويكون الجانب العاطفي لديها أقوى من الرجل ، وأغلب الفتيات يصلن إلى سن التكليف الشرعي قبل أن تنهي المرحلة الابتدائية .
والله تعالى هو العليم الخبير الذي جعل الفتاة في هذا السن مهيأة لأن تكون أماً وزوجة ، فإذا تزوجت استقرت العاطفة وكانت سبباً في تحقيق السكن والرحمة والمودة بين الزوجين ، وقد كانت الفتاة تتزوج في سن الثانية عشر والثالثة عشر والرابعة عشر والخامسة عشر من عهد الرسول ‘ والصحابة وإلى ما قبلَ أربعين سنة من الآن ، وفي وقتنا المعاصر تغيرت المفاهيم وتأخر سن الزواج قرابة العشر سنين .
أمُّ المؤمنين عائشة ~ دخل بها النبي ‘ وعمرُها تسعُ سنوات ، ولو تقدم شاب لخطبة فتاة عمرُها أربعَ عشَرةَ سنة ولا أقول تسع سنوات لقيل إنها طفلة صغيرة لا تستطيع تحمل المسؤولية .
والجواب عن هذه الشبهة : في حديث جابر _ ، فعن جَابِرٍ _ قَالَ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ نَكَحْتَ يَا جَابِرُ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ . قَالَ : مَاذَا أَبِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا ؟ قُلْتُ : لَا بَلْ ثَيِّبًا . قَالَ : فَهَلَّا جَارِيَةً تُلَاعِبُكَ . قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبِي قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ وَتَرَكَ تِسْعَ بَنَاتٍ كُنَّ لِي تِسْعَ أَخَوَاتٍ ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَجْمَعَ إِلَيْهِنَّ جَارِيَةً خَرْقَاءَ مِثْلَهُنَّ ، وَلَكِنِ امْرَأَةً تَمْشُطُهُنَّ وَتَقُومُ عَلَيْهِنَّ . قَالَ : أَصَبْتَ " أخرجه البخاري ومسلم . والجارية هي الصغيرة من النساء . والخرقاء هي التي لا تحسن التصرف . فالنبي ‘ يعلم أن الجارية خرقاء لا تحسن التصرف ، ومع ذلك حث جابراً أن يتزوج جارية ؛ لأن ذلك هو الأصلح لها ولزوجها .
فالسن الذي ينبغي أن تتزوج فيه الفتاةُ شرعاً ، هو لمن تكون في المرحلة المتوسطة ، وإذا نظرنا في طالبات المرحلة المتوسطة ، فإنه لا يكاد أن يوجدَ فيهن طالبةٌ متزوجة ، وكذا الحال في المرحلة الثانوية فإنه يندر فيها المتزوجة . فهذه المخالفةُ الصريحةُ للفطرة من أهم أسباب انحراف الطالبة عاطفياً سواءٌ فيما يسمى بالإعجاب بين الفتيات ، أو الاتصال بالشباب . أما المرحلة الجامعية فالمتزوجات منهن لا يتجاوزن الخمسة بالمائة ، وقد ذكرت مجلة الأسرة إحصائية مخيفة ، وهي أن مليون ونصف امرأةً سعودية تجاوزت الثلاثين وهي لم تتزوج .
إن هذه الظاهرة الخطيرة لم تعطَ بعد حقها من الاهتمام والعلاج .
ومن أهم طرق العلاج :
أولاً : أن نرجع إلى ما كان عليه النبي ‘ وأصحابه من الزواج المبكر للفتيات ، وكسرِ العوائق والرواسب الاجتماعية التي تخالف هدي النبي ‘ وسنته .
ثانياً : إذا تقدم العمر بالفتاة فإنها ترفض من يأتي لخطبتها غالباً ؛ لأنه غيرُ كفئ لها في دينه واستقامته أو غيرِ ذلك ، ولأجل هذا فإني أرى أهمية أن تسعى المرأة في تزويج زميلتها أو قريبتها من خلال البحث عن الكفئ لها من ذوي الدين والاستقامة . والشاب المستقيم المعدد خير لها من غير المستقيم وإن لم يكن معدداً ، ولدي قناعة بذلك من خلال معرفتي بالمشاكل الزوجية التي تصلني عبر الهاتف .
ثالثاً : الزواج مقدم عى إكمال الدراسة أو الوظيفة . يتقدم شاب لخطبة فتاة وهي في الأولى ثانوية فيمنعها أهلها وربما دون علم ابنتهم بحجة إكمال الدراسة ، وهذه جناية يرتكبها الأبوان في حق ابنتهم و هما لايشعران .
تحدثت إحدى الفتيات عن معاناتها فقالت : تقدم إلي الخطاب وأنا في سن مبكرة فكانت والدتي تصر على عدم الزواج حتى أنتهي من الدراسة ، جاء الخطاب من أهل الدين والاستقامة ممن ترجوهم كل فتاة مستقيمة ، فكانت والدتي تردهم دون إخباري ، وربما أُخبرت أحيناً مع طلب عدم الموافقة ؛ لأن الدراسة أهم ، فأوافقها في الظاهر ؛ لأن حيائي يمنعني أن أقول خلافَ ذلك . انتهيت من المرحلة الثانوية وتخرجت من الجامعة ، ولم يأتني بعد ذلك إلا قلة من الخطاب الذين لا أرجوهم من ضعاف الدين والخلق ، ثم دخلت بعد ذلك في دوامة الحرج الاجتماعي والمعاناة النفسية ، أدافع نفسي دائماً حينما أنظر إلى والدتي نظر بغض وكراهية كلما تذكرت أن والدتي هي التي تسببت في تدمير حياتي الاجتماعية. وإن كنت أعلم بأنه نوع من العقوق .
رابعاً ( من طرق علاج ظاهرة تأخر زواج الفتيات ): السعي في تيسير أمور الزواج ، بدأً بالمهر والوليمة فتقاطع الفنادق وقصور الأفراح ، ويكتفى بوليمة مختصرة في البيت فعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى عَلَى عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَثَرَ صُفْرَةٍ قَالَ مَا هَذَا ؟ قَالَ إِنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ . قَالَ : بَارَكَ اللَّهُ لَكَ أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ " أخرجه البخاري ومسلم . يسر في المهر ويسر في الوليمة ، وينبغي أيضاً أن يمتنع النساء عن التكلف في التجهيز والمباهاة في ليلة الزفاف .
إن واقع الشباب اليوم الذي تخرج من الجامعة وتوظف على أحسن وظيفة وأعلى مرتب لا يستطيع أن يتزوج إلا أن يكون والده ثرياً ، أو بالزكوات والديون فكيف بمن دونهم .
الطريق الثانية في علاج الانحراف العاطفي لدى الفتيات :
نشر الوعي في المجتمع حتى يصل إلى كل أم وأب ، ونشر الوعي بين المعلمات حتى تكون على إحاطة بهذا الموضوع ، أما الطالبات فهن الأهم في نشر الوعي بينهن من خلال توزيع الأشرطة والكتب المناسبة ووضع المسابقات عليها وأن تكون الجوائز مما يعود على الفتيات بالنفع والفائدة كالكتب النافعة والمجلات الإسلامية ، ونشر الوعي أيضاً من خلال التوجيه المستمر من قبل المعلمات خلال الدقائق الخمس الأولى من الحصة ، ومن خلال حصة النشاط وغير ذلك ، وخصوصاً في المرحلة المتوسطة ، مع ذكر القصص التي تحقق الوعي والتخويف . وما المانعُ أيضاً أن يدرجَ هذا الموضوعُ ضمنَ أحدِ المناهج أو أن يفردَ بمادة مستقلة ، فتربية الفتاة على الفضيلة وتحذيرها من الرذيلة أهم من دراسة الفيزيا والرياضيات.
وكذا الحال أيضاً في نشر الوعي بالنسبة للطلاب .
الطريق الثالثة في علاج الانحراف العاطفي لدى الفتيات :
مقاطعة الإنترنت ، وأغلبُ الطالباتِ اللواتي يدخلن الإنترنت إنما يردن بذلك التسلية ، ومن كان هذا هدفها فإنه في الغالب أنها لا تسلم من الانحراف ، وقد تصل إلى درجة إدمان المواقع الإباحية وبرنامج المحادثة . وسندرك أهمية ذلك حينما نعلم أن الإنترنت تسبب في اغتال عفاف عدد كبير من الفتيات .
حدثني أحد الشباب التائبين بأنه يعمل في صيانة أجهزة الكمبيوتر ، وأنه قبل التوبة كان يقوم بالتفتيش في أجهز الزبائن ، ويقول إن أغلب الشباب يوجد لديهم في أجهزتهم ملفات خاصة للصور الإباحية . وهذا يكشف حقيقة استعمال الشباب لهذه التقنية .
وهنا خمس ضوابط مهمة في استعمال الفتاة للأنترنت :
1. وجود الحاجة لاستعمال الإنترنت في الدعوة إلى الله.
2. أن يكون الجهاز في مكان مفتوح في المنزل ؛ كالصالة ويشاهده الجميع ، أو في غرفة مشتركة لعدد من العاملات في مكتب خيري ونحو ذلك .
3. ألا تظهر فيه شخصية الفتاة بأنها امرأة حتى في المنتديات الإسلامية .
4. ألا تظيف إلى المسنجر أي رجل ليس من محارمها .
5. ألا تظهر بريدها الاكتروني إذا ظهر لها مشاركة .
الطريق الرابعة في علاج الانحراف العاطفي لدى الفتيات :
الحذر من الجوال للفتيات قدر المستطاع ، والبعد عن مهاتفة الرجال كذلك ، ويتأكد المنع إذا كانت الفتاةُ ذاتَ صوت رخيم ، فإن ذلك سبب في طمعِ مَن في قلبهِ مرض . قال الله تعالى : { يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا} (الأحزاب 32)
و ينبغي الحذر أيضاً من أن تختلي الفتاة بالهاتف حتى لو كانت تتحدث مع صديقتها أو ابنة عمها وابنة خالتها ؛ بل ينبغي أن تتحدث أمام أهلها وأمها حتى ولو لم تأخذ راحتها في الحديث كما يقال .
وأي فتاة اتصل بها أحد الشاب المعاكس فيجب أن تغلق الهاتف فوراً ، وألا تتحدث معه مطلقاً ، حتى بالنصح ، ولابد أن تقهر فضولها فلا ترفعِ السماعةَ لتسمع دون أن تتحدث ، فهكذا كانت بداية سقوط الفتيات .
ولو فرضنا أن امرأة وصلها رسالة جوال أو اتصال من شاب معاكس فيجب أن تخبر أحدَ محارمها المناسبين ، حتى يخبر الهيئة .
وقد حصل هذا لأحد الفتيات العفيفات ، فأخبرت محرمها ، وأخبر أحد أعضاء الهيئة وتم الاتصال به واستدعاؤه وأخذ التعهد عليه واعتبرت سابقة في ملفه .
الطريق الخامسة في علاج الانحراف العاطفي لدى الفتيات :
التخلص من التلفاز والقنوات الفضائية عاجلاً ، ومن احتاج للبديل فهي قناة المجد الإسلامية بجهازها الخاص الذي لا يستقبل أي قناة غيرها . والسعي في تنظيف البيت من المنكرات كأشرطة الأغاني والمجلات السيئة ، والصور المعلقة . واستبدالها بالأشرطة والمجلات الإسلامية ، وعلى رأسها مجلة أسرتنا ، والمتميزة والشقائق والأسرة ، ومن المجلات الطيبة التي تخاطب الفتاة في المرحلة المتوسطة مجلة حياة . وأدعو كل أسرة إلى اشتراك ثابت في بعض هذه المجلات النافعة .
الطريق السادسة في علاج الانحراف العاطفي لدى الفتيات :
الضبط الشديد لجانب تغيب الطالبات في جميع المراحل الدراسية ، وخصوصاً في الأيام التي يكثر فيها الانفلات كالأسابيع الثلاثة الأخيرة التي تسبق الاختبارات ، وأيام الاختبارات .
الطريق السابعة في علاج الانحراف العاطفي لدى الفتيات :
التزام الحجاب الشرعي ، وكثير من يتصور أن الحجاب هو لبس العباءة ، وهذا مفهوم ناقص ، فأول درجات الحجاب هو القرار في البيت ، قال الله تعالى : { وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى } ، ولنتأمل أيضاً حديث ابن مسعود _ قال : " المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان" أخرجه الترمذي بسند صحيح فلاحظ قوله : المرأة عورة فإذا خرجت ، ولم يقل فإذا كشفت عن وجهها أو ساقها ونحو ذلك ، وهذا يعني أن الستر الحقيقي للمرأة هو عدم الخروج إلا عند الحاجة. وأما قولـه استشرفها الشيطان فقد جاء في بيان معناها أن المرأة تقول : لعلي أعجبت فلاناً لعلي أعجبت فلاناً . وهذا هو الذي يفسر ظاهرة تبرج الفتيات إذا خرجن أمام الرجال ، وإذا تبرجت الفتاة أصبحت مهيئةً نفسياً لتقبل المعاكسات ، وتسببت في طمع الشباب بها .
الطريق الثامنة في علاج الانحراف العاطفي لدى الفتيات :
إنشاء الأسواق النسائية التي لا يدخلها إلا النساء ، لدفع المفاسد التي سبق ذكرها ، وأن يتولى ذلك أهل الخير والصلاح من التجار أو الجمعيات الخيرية ، فهذه جمعية البر بعنيزة قد أنشأت مستشفى نسائي لا يدخله إلا النساء وبطاقم نسائي متكامل حفظاً لعورات المؤمنات . وإنشاء السوق النسائي أيسر وأسهل من المستشفى ، ولابد أن يشتمل هذا السوق على المحلات الراقية ، والتسجيلات الإسلامية ، ومطاعمِ الوجباتِ الخفيفة ، وألعابِ الأطفال ، وأماكنَ واسعةً للجلوس والمشي وغير ذلك ، ومن أراد أن يبدأ بهذا المشروع فلابد أن يحيط بأسباب النجاح فيه والاستفادة من التجارب السابقة مع وجود لجنة شرعية تشرف عليه ، وقد سبق أن فصلت ذلك كله في محاضرة حول هذا الموضوع ، وأرى أن البداية الناجحة في هذا المشروع خطوة أساسية في دفع الانحراف .
الطريق التاسعة في علاج الانحراف العاطفي لدى الفتيات :
شغل الوقت بما ينفع ، والنفس إن لم تشغلها بالطاعة شغلتك بالمعصية ، فتنشغل المؤمنة بحفظ كتاب الله ، و الأعمال الدعوية وهي كثير جد
الانحراف الجنسي هو التمتع الجنسي بطرق ترفضها القيم الأخلاقية والدينية وتدينها الأعراف والتقاليد والقوانين الاجتماعية، أو فقد الشخص السيطرة على توازنه بسبب اضطراب نفسي ما، ويتأكد ارتباط الانحراف الجنسي بالاضطراب النفسي.
- فنجد المراهق العصابي ضحية "العُنة الجنسية" والبرود الجنسي، ويتعمد إلى تعويض إحساسه بالعنُة الجنسية التي هي قصور نفسي عصابي باعتداء جنسي مباشر.
- أما " الأزعر " فيمتهن الدعارة المباشرة ويفرضها بالعنف أو التهديد أو الرشوة.
- ويمارس الهوسي الدعارة أحياناً ويكشف عورته أو يعتدي على أعضاء الجنس الآخر.
- يكف عند بعض الفصاميين كل اهتمام بالجنس بل ويتعرض لأكثر أنماط الانحراف الجنسي كالاغتصاب والسادية البدنية.
- ويميل متعددو الشخصية إلى الاعتداء على الأطفال.
- أما المرأة متخلفة العقل فتميل إلى الدعارة.
ويمكننا إرجاع بعضاً من هذه الانحرافات الجنسية إلى الاحباطات والصراعات التي يعاني منها الفرد، ويكون الانحراف الجنسي في تلك الحالات تعويضاً وتمرداً على حالة الإحباط التي تصيبه.
*أنماط الانحراف الجنسي:
- العٌنة:
ضعف الرغبة الجنسية للذكر أو عجزه عن ممارسة الجنس.
- برودة الأنثى:
انعدام رغبة المرأة الطبيعية بالجنس.
- الغُلمة:
إفراط أي من الجنسين في الممارسة الجنسية ونهمها الشره إلى الجنس.
- البغاء:
علاقة جنسية معارضة للشرع تحدث قبل الزواج أو في أثنائه.
- الجنوح الجنسي:
ممارسة الفتيات - دون الثامنة عشرة للجنس، وهي علاقة عابرة تنتهي وتتوقف مع نهاية عملية الجنس، وقد تنقلب إلى تجارة دون أن يكون المال الهدف.
- الاغتصاب:
إجبار الطرف الآخر على ممارسة الجنس بالعنف والتهديد.
- الاستمناء:
تمتع ذاتي باللذة الجنسية بإثارة العضو الجنسي الخاص للفرد. ويقوم الاستمناء على تخيل الممارسة الجنسية مع طرف آخر.
- الاجتراء على المحارم:
علاقة جنسية مع من حرمهم الدين والمجتمع من الأقارب.
- الجنسية المثلية:
علاقة جنسية مع فرد من الجنس المماثل ذكر- ذكر أو أنثى- أنثى.
- عشق الغلام:
وتتم العلاقة مع طفل أو مراهق وتتضمن العلاقة مداعبة عضو الطفل وغالباً ما يجر الطفل لمداعبة العاشق. أو في حالات الجنسية المثلية بين راشد وصبي لاستخدام الصبي لفمه أو خضوعه لفعل اللواط.
- الاستعراضية الجنسية:
كشف الأعضاء الجنسية بدرجة من العلنية للطفل أو الفرد من الجنس الآخر.
- التلصص:
استراق النظر والتربص في الظلام، وتشير جميعاً إلى الانحراف الجنسي لدى صغار الذكور بتلصصهم على إمرأه تبدل ثيابها أو أزواج تمارس حياتها الجنسية الطبيعية.
- الفحش بالميت:
علاقة جنسية تمارس على جثة الميت.
- السادية:
ميل ممارسة الجنس لإنزال العنف والقسوة والألم بالشريك.
- الماسوشية:
نزعة ممارسة الجنس لجر القسوة والعنف والألم على نفسه من جانب شريكه.
- البدية:
تحول الرغبة الجنسية في فترة ما إلى عضو من جسم المعشوق، أو ملابسه أو أشيائه التي يستخدمها.
- النرجسية:
حب النفس المتطرف والافتتان بالملذات الجنسية والإعجاب بالذات والاستمناء.
- التحولية:
ارتداء ملابس وتقليد الجنس الآخر.
وتضفي أغلب المجتمعات على الجنس صفات الشر والازدراء فهو شئ غير مقبول اجتماعياً ولا أخلاقياً. إلا أنه يجب التعامل مع كل هذه الأنماط على أنها حالات مرضية بل هي حالات مرضية بالفعل حتى يتم تقويمها من أجل شباب صحيح جسمانياً ونفسياً.
من القوانين الرياضية التطبيقية الرائعة ذلك القانون الذي يؤكد: أن الخط المستقيم هو أقصر مسافة بين أي نقطتين. وتأتي روعة هذا القانون من تطبيقه على أرض الواقع حيث إنه لايمدنا بوفرة وقت وجهد فحسب بل يمدنا أيضا بتحديد مسار ووضوح هدف.
إن الحياة كلها بمعانيها ونماذجها البشرية وغير البشرية تبقى وتستمر إذا وضعت لها الاستقامة منهجا، وتختل وتضطرب إذا كان العوج والانحراف سبيلا لها ومسارا. فالانحراف في غالبه ضار وسيئ. فانحراف المبنى يعرضه للسقوط، وانحراف الطريق يؤدي للحوادث وانحراف السلوك يوصل للضياع والتهلكة، وذلك في كل جوانب الحياة. والفكر كأحد جوانب الحياة الهامة إن استقام على الحق والصواب فإن حجم فوائده وكثرتها ستفيض على الفرد والمجتمع والبشرية جمعاء. وان تطرف وانحرف عن السواء، فإنه سيخطئ ويجانبه الصواب فيضل ويضلل ويضر ويهلك. إن خطورة الانحراف الفكري تأتي من آثاره السلبية الباهظة على الفرد والمجتمع والدولة، والتي تتطلب رؤية وترويا ورصدا وحصرا لأهم المنابع التي تغذي هذا الانحراف وتنميه.
وقد يتساءل البعض لماذا نهتم بدراسة الأفكار عند الأفراد طالما أن الهدف النهائي هو السلوك والفعل؟ والجواب: هو أن تغيير الأفكار والآراء والاتجاهات يزداد معه احتمال تغيير السلوك. وذلك ما يعتمد عليه المروجون في بحوث التسويق، وفي الدعاية السياسية للمرشحين للانتخابات وغير ذلك من أوجه النشاط.
وتعتبر الأفكار والاتجاهات منبئا جيداً عن السلوك، فالشخص الذي لديه اتجاهات إيجابية نحو الآخرين والرغبة في مساعدتهم والميل إلى العمل التطوعي، فإننا نعتقد أن هذا الشخص سوف يسلك سلوكا إيجابياً إذا توافرت لديه الظروف المناسبة لهذه المواقف. وبالمقابل فالشخص الذي يحمل أفكاراً سلبية عن الآخرين، أو اتجاهات عدائية نحوهم، فإنه قد يسلك سلوكاً مؤذيا نحوهم.
وإضافة إلى أن الأفكار تتنبأ بالسلوك، فإنها تدفع السلوك وتوجهه نحو غايات مشروعة أو ممنوعة. ففي مجال الصناعة والاختراع على سبيل المثال، فإن كل اختراع مادي يكون مسبوقاً بفكرة وهاجة في عقل المخترع برزت وتبلورت حتى ظهرت إلى الوجود في شكل إنتاج ملموس. ومن جانب آخر فإن كل جريمة على الأرض مسبوقة -تفكيرا وزمنا- بفكرة شريرة في العقل. فالفكر الإجرامي والإرهابي هو نطفة الجريمة، أما الفعل الملموس للجريمة أو الإرهاب فهو الوليد لهذا الفكر. فالسيارة أو البناية المفخخة بالمواد المدمرة القاتلة هي انعكاس ونتاج أدمغة مفخخة بالشر والعدوان، ولذلك فإنه مهما اتسعت دائرة البحث عن عوامل وأسباب ودوافع العنف والإرهاب والعدوان فإن العامل الحاسم والسبب المؤثر، والدافع المسيطر في هذا الأمر هو الانحراف الفكري عن جادة الحق والصواب والأمر بالمعروف. ويتمثل الانحراف الفكري في الأفكار الشريرة والشيطانية الموجهة لتدمير المجتمع وتمزيقه وهي أفكار متطرفة ومشوهة وعدائية ولها تأثير عنيف ومدمر على أمن المجتمع وسلامته. إن هذه الأفكار الشريرة كانت ولا تزال هي الدافع للأعمال العدوانية، فهي التي تقف وراء التفجير والتدمير وقطع الرُؤوس وترويع النفوس في البلدان التي تواجه عمليات إرهابية.
وتشير الوقائع والأحداث إلى أن الصراع بين الدول بدأ يأخذ طابعاً فكريا، حيث اتجه كل طرف إلى غزو الأفكار وتحريفها عن طريق وسائل عديدة: ثقافية كانت أو إعلامية، بهدف طعن مبادئ وأخلاقيات الطرف الآخر وإضعاف قدراته، وتشتيت جهوده، وإثارة الفتن والشبهات والتشكيك في مبادئه وقيمه الثابتة التي يؤمن بها، وإحلال مفاهيم وقيم وأفكار بديلة هزيلة ذات منطلقات وأهداف منحرفة تؤدي بشكل أو بآخر إلى الانهيار الفكري والاجتماعي لأفراد المجتمع واستهداف الأمن الوطني للدولة من أجل أهداف وغايات معينة.
ولقد أصبح الفكر المنحرف أشد أنواع الانحرافات، وأكثرها خطورة والمعول الأخطر للنيل من استقرار المجتمع وأمنه بسبب آثاره السلبية على جوانب الأمن الوطني المختلفة كالأمن الاجتماعي والأمن الفكري والأمن السياسي والأمن الاقتصادي.
ويعد موضوع الانحراف الفكري من المواضيع التي ينقصها صياغة تعريفية واضحة ومحددة. ويسعى الباحثون إلى الوصول إلى تعريف محدد لمفهوم الانحراف الفكري، إلا أن هناك خلافاً في الاتفاق على تعريف قاطع ومحدد للمفهوم. ولعل أول الصعوبات، هي أن معنى مفهوم الانحراف يتفاوت بين العلوم الحديثة تفاوتا كبيرا. فالانحراف عموما في اللغة يعني: الميل عن الوسط والاعتدال، وبهذا فإن كل ميل عما هو مألوف يعد انحرافا. ويعني الانحراف أيضا التباين عن خط أو معيار مقنن يرجع إليه. فالانحراف في القانون مثلا: هو الخروج عن القانون وعدم الالتزام بأحكامه وقواعده وتشريعاته المتعارف عليها. والانحراف في علم الاجتماع: هو سلوك الفرد المخالف عن الجماعة التي يعيش فيها أو سلوك الجماعة المتعارض مع سلوكيات الجماعة الأم أي المجتمع. أما علم النفس: فالانحراف يكمن في السلوك الذي لا يتفق مع المعايير والقيم السائدة في المجتمع كالكذب أو السرقة أو العدوان. حتى في الطب: فإن الحول وهو أحد العيوب البصرية يعني أن تكون إحدى العينين في اتجاه مستقيم، بينما تنحرف العين الأخرى للداخل أو للخارج أو لأعلى أو لأسفل.
أما في مجال الأفكار فإن الوصول إلى تعريف قاطع ومحدد لمفهوم الانحراف الفكري تكتنفه بعض الصعوبات. ولعل صعوبة تحديد مفهوم الانحراف الفكري يكمن في عوامل متعددة. منها تداخل مفهوم الانحراف مع مفاهيم أو ظواهر أخرى قد تستخدم كمرادف له وتوحي بالمعنى نفسه مثال ذلك: التطرف والتشدد والجمود والتصلب والإرهاب. ومن العوامل كذلك أن الانحراف الفكري يحدث في جوانب متنوعة من الحياة مثال الانحراف الفكري السياسي، والانحراف الفكري الديني، والانحراف الفكري الإعلامي... الخ. ويبقى اختلاف الأفراد بشكل عام والباحثين بشكل خاص في نسبة الانحراف الفكري إلى مسببات واضحة وواحدة وراء عدم الاتفاق على تعريف محدد لمفهوم الانحراف الفكري. فأحيانا ينسب إلى عوامل نفسية، وأحيانا أخرى إلى عوامل اجتماعية، أو قد يرجع إلى الاثنين معا.ً
ولاشك أن مفهوم الانحراف الفكري يحتاج في الوقت الراهن على الأقل إلى محاولة لصياغة تعريف مبسط ومحدد، حيث يمكن القول إن الانحراف الفكري هو انحراف الأفكار، أو المفاهيم أو المدركات عن ما هو متفق عليه من معايير وقيم ومعتقدات سائدة في المجتمع. أو بصيغة أخرى هو الفكر الذي لا يلتزم بالقواعد الدينية والتقاليد والأعراف والنظم الاجتماعية السائدة والملزمة لأفراد المجتمع.