Stay Signed In
Do you want to access your site more quickly on this computer? Check this box, and your username and password will be remembered for two weeks. Click logout to turn this off.
Stay Safe
Do not check this box if you are using a public computer. You don't want anyone seeing your personal info or messing with your site.
شبكة النبأ: مع نهاية الخمسينيات، انبثقت إشكالية نقدية للهوية الإثنية من أبحاث الأنتروبولوجيين العاملين في إفريقيا (ف.بارث، م. غلوكمان، س. نادل، و. واتسون) أو جنوب شرق آسيا (ك. ف. كيز، إ. ر. ليتش، م. مورمان، س. تامبياه). فقد نتج عن سياق التحرر من الاستعمار والصراعات من أجل الاستقلال، وكذلك التوزيع السياسي الجغرافي الجديد، ومطالبات الأقليات بالاستقلال، أن واجه الأنتروبولوجيون ظروفاً جديدة للعمل الميداني مرتبطة بالتحضرن مثلاً، وسياقاتٍ اقتصادية وسياسية جديدة، وشركاء جدد أيضاً.
بحسب المثال البنيوي الوظيفي للأنتروبولوجيا الاجتماعية الكلاسيكية، والموروث عن رادكليف – براون ومالينوفسكي، والذي أعاد فيرث وايفانز – ريتشارد النظر فيه، تشكل الإثنية، التي تعرّف بهيئتها الثقافية، الهوية المرجعية بامتياز. يفترض هنا أن الجماعة الإثنية هي واقع أساسي وشامل للحياة الاجتماعية. وينطوي ذلك على التلميح إلى أن الجماعة الإثنية هي وحدة ذات طبيعة بيولوجية، كما هو النوع. قد يعكس الانتماء الثقافي بالتالي روابط الدم: يرى كايز (1981) أن الإثنوية (تتحدّر من التأويل الثقافي للسلالة). ويبرهن بارت في الجماعات الإثنية وحدودها (1969) أن الحدود الإثنية والهويات توجد وتصان بلعبة التواصل بين الجماعات. وهو يطلق بذلك مشروع تفكيك منهجي لمفهوم الإثنية، في أعمال ما تسمى مدرسة مانشستر (أ.كوهن، أ. إبشتاين، ك. ميتشل، ف. تورنر، ج. ويلسون)، أو في أعمال المستفرقين الفرنسيين المهتمين بالحراك الاجتماعي (ج. ل. أمسال، ج. بالاندييه، ج. ب. دوزون، م. إيزار، ك. مياسو، ب. ميرسييه، إ. تيراي).
لقد كانت بيئة استثمارات المناجم ومناطق الغيتو في المدن هي التي أتاحت تبيان تنوع وتعدد تشكيلات الهوية على أساس إثني، تلك التشكيلات التي تمثل رداً على مظاهر القهر والصراعات الخارجية، وتبيان دور القادة والعمل الفردي في إطلاق الهويات. لم تعد الهوية تمثل أمراً واقعاً، أي توزيعاً واضحاً للجماعات في مدى غير محدد المعالم الزمنية. فقد أصبحت مفهوماً نسبياً يرتبط في نفس الوقت بالنزاعات وموازين القوى، وبتوازن البنى أيضاً. إنها مسيرة في طور التشكل، وضع تاريخي، إلى الأبعاد العاطفية والنفسية للهوية وإلى أوليات اكتساب إدراك الهوية (عبر) تربية الطفل وعالمه الاجتماعي، ومع ذلك يبقى مفهوم الهوية
مفهوماً داخلياً يعكس معطيات خارجية.
تشير الصفة الاعتباطية للفئات الاثنية إلى طبيعتها السيميائية وليس إلى نقص في تأثيرها على العالم الحقيقي. ويصب تطور مفهوم الهوية من هذا المنظور في سلسلة من التساؤلات التي ينتمي أغلبها إلى مقاربة من النمط المعرفي. كيف تشاد وتنتظم هذه الإنشاءات؟ وكيف تتجذر في البعد الديني، وفي القيم والفنون؟ وما الذي يربطها ببنى التواصل؟ وعلى أي مستوى من الوعي تدل؟
إن واقع إقامة المجتمعات الأوقيانية في الجزر قد وضع الأنتروبولوجيين داخل حدود تعريف زماني – مكاني للهوية، وقد أنتج تأملاً يعتبر فكرة الهوية احد أشكال (العادة)، أو نمط حياة ومنظومة قيم، أو مرجعية وشيفرة أخلاقية. وقد ساهم سكان المجتمعات الأوقيانية أنفسهم في هذا التأمل فارضين وجوده في صلب السجالات حول نزع الاستعمار والاستقلال والوحدة الوطنية والنمو، ومستخدمين عبارة (العادة) للتعبير عن هويتهم (كيسينغ، 1989). قدّمت العادة في كل مكان وعلى مختلف الأصعد كمرجع رئيسي، كدرع الدفاع عن الهوية (دو ديكر وكونتز، 1998)ن وكخميرة وحدة تسمح بإعلانها. لا يقدّم لنا التاريخ الهوية كاملة على حد قول جان – ماري تجيباو، بل هنالك دائماً إعادة تأويل بحسب حاجة العاملين في الحاضر. وهذه هي حال العادة. فإن مطالبة سكان المجتعات الأوقيانية بالهوية (الطبيعية) للعادة تعكس تطلعهم إلى تخطي فكرة الإسناد إلى شرعية ماض غابر يجتهدون في ترسيخ فعاليته على الصعيد الراهن كما على صعيد الدول والدستور والقانون والبنى الإدارية.
إن اللجوء إلى مفهوم الهوية وإلى كافة مشتقاته من أجل إعادة تشكيل المفاهيم المؤسسة للأنتروبولوجيا – ثقافة، إثنية، شخصية – ينم عن الميل إلى قطيعةٍ مع أنتروبولوجيا تجيز ضمناً نوعاً من (لا مادية لا زمنية) بنسا، 1996) للمجتمعات التي تدرسها. يرمي البحث اليوم إلى تجاوز حتمية هذا الهدم للفئات من أجل عادة التركيز على تحليل (المشاريع الراهنة للهوية)، أي إلى وضع تقرير عن رهاناتها الموضوعية والرمزية، وفعاليتها الاجتماعية والسياسية، وتنظيماتها وأنماط تشكيلها، إن التطور في ميادين التواصل، والحركية المتزايدة، وتسارع التبادلات وتزايدها، والاتصالات ومختلف أشكال التهجين التي (تشوش) و(تناشد) في آن الأنظمة الاعتيادية لمرجعية الهوية، تفضي بنا إلى دراسة هذه الأنظمة عينها إذ أنها تطالبنا بأكثر من إعادة نظر في الهوية.
متعلقات
الهوية والمواطنة(1)
التعددية الثقافية.. الحرية والمواطنة..
الهوية: المعنى والاصطلاح
تتداخل كلمة الهوية مع عدد من المفاهيم التي تساعد في جلاء المعنى احياناً او تعقيده في احيان اخرى. وذلك بسبب مجالات الاستخدام مثل الثقافة والسياسة وعلم النفس والمنطق والاجتماع وغيرها من المعارف، مما يقتضي البحث عن جذر ثم تطويعه دون الابتعاد كثيراً. ولا تقدم المعاجم القديمة معنى شاملاً يعبر عن واقعها و نجد في معاجم اخرى، مثل المعجم الوجيز ان الهوية تعني: الذات «مجمع اللغة العربية، القاهرة، 1997، ص 654» وفي المعجم الوسيط: تعني حقيقة الشئ او الشخص التي تميزه عن غيره «الجزء الثاني، 1989، ص 998» وقد ساعد الفلاسفة اكثر من اللغويين في تفسير الهوية (بضم الهاء) وهي منسوبة الى (هو) وهي تقابل الآخر او الغيرية. وتعني في كتاب التعريفات عند الجرجاني:« الحقيقة المطلقة، المشتملة على الحقائق اشتمال النواة على الشجرة في الغيب المطلق» ويكمل (الصديق) في قاموسه الفلسفي المعنى بقوله:
«هوية، ما يعرف الشئ في ذاته دون اللجوء الى عناصر خارجية لتعريفه، ويستعمل ايضا للدلالة على الجوهر والماهية. وعند المتصوفة هي الحق المطلق الذي يحتوي كل الحقائق احتواء النواة على الشجرة في الغيب المطلق. اما في المنطق فان هذه اللفظة تشير الى معنيين:
1/ التساوي او التشابه المطلق بين كمين او كيفين وهنا تعني التوافق.
2/ ان يكون الشئ ثابتاً لا يتغير بما يعتريه او يعتري ما يحيط به وهنا تعني الثبوت تقول «الموسوعة الفلسفية العربية» هي كلمة مولدة اشتقها المترجمون القدامى من الـ«هو» لينقلوا بواسطتها ا لى العربية كما يقول - الفارابي - المعني الذي تؤديه كلمة «هسست» بالفارسية وكلمة «استين» باليونانية اي فعل الكينونة في اللغات الهندواوربية الذي يربط بين الموضوع والمحمول، ثم عدلوا عنها ووضعوا كلمة «الموجود» مكان الـ«هو» والوجود مكان «الهوية» ومع ذلك فقد فرضت كلمة الهوية نفسها كمصطلح فلسفي يستدل به على كون الشئ هو نفسه.
تتداخل الهوية مع مصطلحات عديدة مثل الخصوصية بالذات حين يكون الحديث عن قيم ومبادئ عامة وانسانية مثلما نلاحظ في نقاشات حقوق الانسان على المستويات الدولية والاقليمية والمحلية. والاعتراض بسبب مفهوم الخصوصية يستدعى مباشرة وجود هوية مختلفة مما يتطلب سلوكاً وردود فعل مختلفة او حتى مقاومة لما يمكن ان يعتبر تهديداً للهوية بسبب «غزو ثقافي» مثلاً.
وتزايد التركيز على الهوية مع تصاعد سيرورة العولمة التي يرى فيها اصحاب فكرة الهوية الضيقة، خطراً ماحقاً على الثقافات الاخرى «غير الغربية». ويطابق البعض بين العولمة والامبريالية او القطب الغربي الواحد، ويرون فيها مخططاً او حتى مؤامرة للهيمنة على الثقافات الاخرى: بوعي وقصد فالعولمة حين تسقط الحواجز والحدود وتحول العالم الى قرية تهدد بالفعل ثقافات اخرى ولكن ليس بقصد المؤامرة والمخطط بل حتمية تطور التداخل: ثقافيا واقتصادياً.
وقد يقف دعاة الهوية عموما او المغلقة امام خيارين (اقرب الى المستحيل) وقف العولمة او تعميق الخصائص والميزات والصفات التي تحصن من دون اي تأثير خارجي. فأين الحل؟ هو حسب رأيي - التكيف باقل خسارة ممكنة. ولكن ماذا يبقى من الهويات؟ قد تكون هناك حالة انسانية عالمية لا يفترض فيها بالضرورة التعارض مع الهويات او تذويبها قسراً، اي تضمنيها والتبادل معها، وهذه وضعية تعبر فيها الثقافات التقليدية او الوطنية عن الحاجة الى الاندماج في العولمة وفي نفس الوقت تبحث عما هو خاص بها ويقول WALLERSTEIN «فالحقيقة ان الكونية يمكن معاينتها خلال الخصوصية والعكس صحيح».
يرى البعض صعوبة تحديد وتعيين الهوية او الخصوصية على صعيد الواقع وبالتالي اعتبر الكثيرون ان مفهوم الهوية مصطلح ايديولوجي اكثر منه علمي. وذلك لان الهوية يمكن التعبير عنها او تجسيدها من خلال الدين او اللغة او الدولة الوطنية او القومية. وكل هذه خصائص متغيرة حسب طريقة استخدامها وتوظيفها، لذلك يمكن لمجتمع واحد ان يبدل «هويته» حسب المراحل المختلفة تاريخياً ووفقاً للظروف الحاكمة.
ومثال ذلك التاريخ العربي المعاصر، حيث اثرت الايديولوجيا على تحديد الهوية. فالامة التي كانت مقتنعة بحتمية سيادة القومية العربية ورآها البعض رسالة خالدة للامة في الستينات، يتردد الآن بين الكثيرين شعار: الاسلام هو الحل.
هناك من يرى الهوية اصلاً مجرد مصطلح سياسي ولد ضمن عملية صراع سياسي. ويستهل المفكر الفرنسي «بابار» كتابه عن الهوية بمفهوم «بيان السياسة» منطلقاً من ان «العلاقات المعقدة بين التصورات الثقافية والممارسات السياسية والاساليب الشعبية في التحرك السياسي والخيال السياسي» هي سبب بالنزاعات التي تملأ العالم وترجعها الى الهوية. وذلك حسب افتراض يزعم بان «الهوية الثقافية» تقابلها بالضرورة هوية سياسية لا تخلو ايضا في الواقع من طابعها الوهمي.
والحق ان كلا الهويتين تكون في احسن الاحوال بناء ثقافياً او سياسياً او ايديولوجياً اي بناء تاريخي اصلا. فلا توجد هوية طبيعية تفرضها الاوضاع. ويؤكد ان الخبرة التاريخية تثبت ان هوية الفرد مرتبطة بالاوضاع ومتعددة الجوانب ونسبية وهي مفترضة ضمنياً. ويعطي مثالاً لهذه الهويات:« فالشخص المقيم في سان مالو سيعرف نفسه على انه مالوني (نسبة الى سان مالو ) في مواجهة آخر من رين، وكمواطن من مقاطعة بريتانيا في مواجهة مواطن من باريس، و كفرنسي في مواجهة مواطن الماني، وكاوربي في مواجهة امريكي، وكابيض في مواجهة مواطن افريقي، وكعامل في مواجهة صاحب العمل، وككاثوليكي في مواجهة البروتستانتي، وكزوج في مواجهة زوجته، وكمريض في مواجهة طبيبه.
وقد تكون هذه ادوار اجتماعية ولكنها هي التشكيلة الكبيرة لتعريف الذات. ويدين التفكير الثقافي الانغلاقي: «لانه لا يكتفي بتحويل الهويات المتغيرة باستمرار الى مسألة لا ترتبط بالزمن بل وتتستر على العمليات الملموسة التي يعرف انفسهم بها مجموعة من الافراد او فرد واحد في لحظة تاريخية معينة، وفي ظروف محددة ولفترة محدودة».
ويطرح اسئلة مهمة مثل لماذا انتظر الهوتو والتوتسي في رواندا طويلاً حتى يتقاتلا لو كان السبب هو يتعلق بالهوية الاثنية فقط؟ وسنجد صعوبة في فهم لماذا توقف الكاثوليك عن الصراع مع البروتستانت او كيف تصالح الفرنسيون مع الالمان؟
ويذهب «معلوف» في نفس الاتجاه، حيث يرى ان الهوية هي الانتماء الرئيسي الوحيد الذي يستمر في مختلف الظروف اقوى من الانتماءات الاخرى. وقد يكون لدى البعض هو الوطن او الدين او الطبقة. ولكن حين نتفحص النزاعات القائمة ندرك انه ما من انتماء له الغلبة بصورة مطلقة. فعلى سبيل المثال حين يشعر البعض بأنهم مهددون في عقيدتهم الايمانية يرتفع الانتماء الديني مختصراً لهويتهم.
ولو تهددت اللغة الام او جماعتهم الاثنية يمكن ان يواجهوا ابناء دينهم يقول:« فالاتراك والاكراد مسلمون لكنهم مختلفون في اللغة فهل النزاع بينهم اقل دموية؟ الهوتو كما التوتسي هم من الكاثوليك، يتكلمون نفس اللغة، فهل منعهما ذلك من التذابح؟ التشيكيون والسلوفاك كاثوليك ايضا فهل يسر ذلك العيش المشترك فيما بينهم».
التمسك بالهوية حصن الخائفين من العولمة(2)
غدت الهوية بؤرة السؤال ومدار السجال في الأوساط الفكرية والدوائر السياسية. وليس أدل على ذلك من مطالعة هذا الكم الهائل من الكتب والمقالات التي تتناول موضوع الهوية. فالإسلاميون يرون أن الهوية هي الحقيقة المطلقة المشتملة على كل الحقائق. ويرى بعض الإسلاميين أن الأمة الإسلامية في غنى عن رحلة البحث عن هويتها ما دام الإسلام قد حدد هويتها وقدرها. وهو وحده الذي يتوفر على نمط حياة شامل يقدم البديل المفتقد. ويرى الإسلاميون أنه بعد أن انهارت الشيوعية وفشل المشروع الليبرالي في قيادة العالم فإن الإسلام هو الخلاص.
وهكذا تصبح «الهوية الإسلامية» بمثابة حل للبشرية. ويرى بعضهم أن هذا التيار غير متناسق، فهو يعود إلى التراث لعله يمده بشيء يثبت كلامه.
أما القوميون فقد كانوا السباقين في إطلاق مصطلح «الهوية القومية» أي البوتقة التي تنصهر
بداخلها فكرة القومية العربية كما قال المفكر انطون مقدسي. ويأخذ التيار القومي على التيار الإسلامي عدم إمكان تعيين هويته سياسياً، وذلك لأننا أمام عدد من الأعراق والإثنيات واللغات والتواريخ العصية على التوحد.
أما التيار الماركسي الأرثوذكسي فإنه يعلن بأعلى صوته أن العولمة البربرية تهدد هويتنا إذ أنها ليست إلا «رسملة « للعالم. ويغدق هذا التيار في طرح الوصفات والنعوت الجاهزة التي ينتقيها بدقة خشية أن يفتضح إفلاسه المعرفي وفقر ايديولوجيته التي يفاخر بها.
يمكن القول إن الهوية في الخطاب العربي المعاصر باتت بمثابة المغارة التي يلجأ إليها الجميع للاحتماء بها في ظل ظلام العولمة الدامس على حد تعبير بعضهم. إنها الحصن الحصين لإثبات الذات، ورمز لمقاومة الذوبان.
ولكن عبثاً نحاول أن نحصل على تعريف واحد شامل لهذه الهوية. إنها تزداد التباساً كلما حاولنا الاقتراب منها أو الإمساك بها. إننا لا نعرف أين نجدها. أهي في الماضي حيث تكونت وتشكلت، وما علينا سوى الاقتراب منها بغية التطابق معها؟ وعندئذ ينبغي أن نعود إلى الماضي حتى تعود الأمور إلى نصابها أم هي في المستقبل؟ وإذا كانت في المستقبل فما هي مقوماتها؟ وكيف نستطيع تخيل مستقبل في عالم متحول؟
إن مفهوم «الهوية» يتضمن درجة عالية من الصعوبة والتعقيد والمشاكلة لأنه بالغ التنوع في دلالاته واصطلاحاته. وهذا ما ينفي الطرح التبسيطي والاختزالي الذي يتم تداوله لهذا المفهوم في الخطاب العربي المعاصر.
وكما لم يستطع العرب التعرف على النهضة الحديثة إلا من خلال الآخر، كذلك لم يستطيعوا أن يتلمسوا هويتهم إلا من خلاله. فعندما تحدث من يطلق عليهم «رواد النهضة» عن النهضة كان عليهم قبل أن يصلوا إليها أن يبشروا بها مجسدة من خلال الآخر (الغرب).
ولا أكون قد اكتشفت جديداً عندما أتحدث عن مدى تغلغل الغرب الحاضر فينا ومعنا في خطابنا. إننا لم نستطع صياغة سؤال النهضة الخاص بنا، أو أن ننتج هوية ناضجة تتسم بالحيوية مع الاتصال بالآخر بدل طرح هذه الهوية المأزومة عند كل احتكاك أو اتصال به.
الثقافة والهوية (3)
الهوية لا تكتسب سلميا وتطرح في مواجهة خطر الابادة من قبل هوية أخرى
ما دور الثقافات والأديان في تشكيل الهويات وكيف تكتب المؤسستان الدينية والوطنية كينونة الأفراد؟
أولا: الهوية الثقافية، الهوية الوطنية
كيف يمكننا اليوم أن نقيم الدور الذي يلعبه مصطلح الهوية الثقافية؟ سأحاول القول هنا إن ذلك الدور يكمن في الثقافة. وللاجابة على السؤال السابق سوف أدرس استخدامات مصطلح الهوية الثقافية في الوثائق الرسمية للمنظمات الثقافية الدولية. ذلك أن تلك المنظمات تعتبر مؤسسات نموذجية للخطاب الشامل، كما أنها تتميز بكونها أماكن انتاج وتلقي خطابات عامة. بالاضافة إلى ذلك تعد هذه المنظمات الدولية الثقافية أماكن عامة لاستقبال واصدار الملاحظات والتعليقات بل فرضها بطريقة جبرية.
لقد أفرزت تلك الخطابات الثقافية العديد من القضايا التي تأثرت بها - نذكر على سبيل المثال "الحقوق الثقافية" للأفراد والجماعات، "الديموقراطية الثقافية"، زالتنمية الثقافية س والعلاقات بين زالثقافة س و "التنمية" "تعزيز اللغات الوطنية"، العلاقة بين "الحفاظ على التراث الثقافي" وبين "الخلق" أو "الإبداع"، الإعلام في علاقته بحرية التعبير أو التأكيد على السلام، وغيرها من القضايا- سواء على شكل تصورات نظرية أو حتى على شكل بعض الممارسات السياسية. ويمكن تحديد تلك القضايا على شكل مصطلحات ضمن أربع فئات أساسية:
1- الموضوعي والشخصي
تظهر الهوية الثقافية كمجموعة من الميزات والبنى الموضوعية، كما هو الحال في التفكير العفوي ضمن الإطار الجمعي، والإطار الاجتماعي والإطار التاريخي. كما أنها تظهر كمبدأ أو عملية موضعة للأشياء (كما هو الحال في التفكير العفوي في إطار "الخبرات المعاشة"، "الوعي و اللاوعي الفردي"). بين هذين القطبين المتضادين يظهر عادة بعض التوافق أو التبادلية، لكن في حالات معينة يظهر بينهما نوع من الصراع أيضا. الفكرة التي يمكن التأكيد عليها هنا أن ذلك التناقض قد يترجم إلى كارثة (أو حتى حالات مرضية)، وفي المقابل يمكن اعتبار التناقض أو عدم التوافق قاعدة. إن التوافق الذي سيسمح بتمييز أفضل للموضوعية الفردية في الهوية الثقافية أو إدراك أفضل لمعايير الثقافة الجمعية لهوية الموضوعات، سيظهر كمحدد يمكننا أو يجب علينا تحقيقه.
2- العالمية والفردية
توصف الهوية الثقافية عادة بأنها ما يعبر عن تفرد "المجموعات"، أفرادا أو مجتمعات، وما يمنعهم من الصراع الفكري أو العملي، وما يمسح ببساطة ونقاء "الحدود" التي تفصل بينهم، وما يترجم ميل العلاقات المتبادلة بين الحقائق اللغوية، والحقائق الدينية، وحقائق النسب، والحقائق الجمالية بمعناها الواسع (اذا قلنا بوجود أنظمة للحياة فإنه يوجد أيضا أنظمة موسيقية وأدبية)، والحقائق السياسية. لكن في المقابل تطرح الهوية الثقافية سؤال العالمية أو الشمولية. وذلك لعدد من الأسباب، أولها أن الثقافات لا يمكن التفكير فيها ضمن التنوع الاجتماعي والإنساني دون عقد مقارنة شاملة لها لم سواء كانت موضوعية أو علمية ~. ثانيا، هذا التنوع يتضمن اتصالا بين الثقافات أو بين الحدود الفاصلة بين الثقافات الفردية التي تجتهد لتعبر الحدود. ثالثا، وبالإضافة إلى الأسباب السابقة، تطمح الهوية الخاصة بكل ثقافة إلى اعتبارها إطارا من القيم لها صفة العالمية. هذا السبب يرتبط مباشرة بالاسباب السابقة بل ويذكر بها. هذا الاطار القيمي يتيح لنا التفريق بين مصطلحات "الخير" و "الشر" في الشمولية الثقافية، بين الأخلاقي ووجهات النظر السياسية. كما يتيح لنا التفريق بين صيغ "الخير" و "الشر" في الاتصال: تلك التي تحاول التأسيس للعالمية بالانتباه إلى الفردية أو التي تبحث عن توحيدهما بشكل متوازن، كمقابل لتلك الصيغ التي تقضي على الفردية بذريعة الاتساق أو الانتظام (في الوقت الراهن يخشى من تأثير ثورة وسائل الاتصال الجماهيرية ومن سيطرة نماذج - معينة على المستوى العالمي) أو في المقابل المتطرف تماما تحاول التأكيد على الفردية لدرجة الوصول إلى حد العزلة. وبين هاتين الصيغتين المتضادتين، سيوظف البعض وسائل الإعلام في خدمة إنتاج الاختلافات، تلك التي تؤكد الفردية بتوسط العالمية، أو بشكل عكسي تؤكد حقيقة العالمية بتوسط الفردية.
3- النخبة والعوام (الصفوة والشعبي)
هذه الفئة من القضايا موجودة في كل مكان، لكن بصياغات مختلفة بتفاوت علاقات التناظر الوظيفي بين الفترات الزمنية المتعددة. لعل أهم هذه الصيغ في الحديث عن النخبة والعوام صيغة كلاسيكية - على الأقل منذ القرن التاسع عشر- للتفريق بين الثقافة لم العلمية، التقنية، الأدبية) والثقافات التعبيرية للجماعات الاجتماعية (أو بشكل أفضل انتماءات الأفراد إلى الجماعات). وفي هذا السياق تسقط هذه الصيغة الجدل السابق الذكر بشأن العالمية والفردية في حقل علم التاريخ الاجتماعي. كما تضيف هذه الصيغة دلالات جديدة أخرى، أهمها إعطاء السلطة للمعاها والأنشطة التربوية (في المجال التطبيقي، المدارس) لتكون هي الجانب الأهم لحل التوترات التاريخية بين الثقافة العلمية - التقنية وبين الثقافة الجمالية، وبين التطبيقات اللغوية على مستوى الإعلام الدولي وبين ضرورات اللهجات غير القابلة للاختزال، بين الحفاظ على التقاليد وبين التجديد الثقافي، وأخيرا بين أدب المشاعر وتطوير الملكات الذهنية. هذه النقاط جميعا تقود مباشرة إلى الفئة الرابعة.
4- الثبات والتحول
يعكس مصطلح الهوية الثقافية هنا بشكل معين نفسه تحت معيار الزمن، بفض النظر عن تحديد مرجعية التقدم أو نقد علاقة ذلك المصطلح - الهوية الثقافية - بالسلطة الزمنية للتاريخ والمفترضة سلفا في أي بحث عن تاريخية الثقافة.
يبدو أنه يمكننا طرح المطالبة التي تأخذ شكل التعارضات المتحدة: الهوية الثقافية تقاوم الزمن كرمز للتغيير، كما أنها تعتبر نفسها أساسا ضمنيا لأي تحول (بمعنى إعطاء صلاحية التمييز، والتسمية "المناسبة" للموضوعات الجمعية). كما أن الهوية الثقافية تظهر بنفسها كنموذج للتغيير (تسمى ابتكار، حياة، تطور، التي تظهر في النهاية وكأنها مطلب لمعظم مصطلحات ز الثقافة س). هناك حضور لبعض المسلمات الواهنة التي تحاول بشكل منتظم تثبيت أو مقارنة أثار الثبات بالآثار التاريخية، وتغير فردية الجماعات. في المقابل هناك حضور لمسلمات قوية دفعت بوحدة الجماعات إلى ما وراء النقطة التي يمكن تسميتها- في المفاهيم الهيجيلية - هوية الهوية والاختلاف.
ودون الرغبة في طرح جدال حول الاستخدام الدقيق أو غير الدقيق، المعقد أو البسيط لهذه الفئات الرئيسية السابقة والتي تعتبر استخدامات ومصطلحات كلاسيكية في الفلسفة، سوف أطرح هنا سؤالين أساسيين على اعتبار أنهما يتضمنان تفاصيل خطاب المؤسسات في الهوية الثقافية، كما أن السؤالين يطرحان مقدما إطارات الاختلاف المحتملة.
أخيرا، مشكلة العلاقة بين الجماعات القومية والجماعات اللاقومية. هذه العلاقة قد تكون علاقة صراع وقد لا تكون، وقد تعني كذلك بالمواجهة مع الأمة، أي أنها بشكل عملي في مواجهة مع الدولة -التي تقدم نفسها على أساس أنها دولة قومية - سواء كانت جماعات متخطية للحدود (على سبيل المثال جماعات التوحد الديني) أو جماعات مناصرة أو رفض القومية لم على سبيل المثال، التي تناقش حدود الدولة، أو التي تصارع الظلم السياسي والاقتصادي وفق قاعدة "إثنية"، وتطالب بإعادة التفكير بالحقوق، وبالحكم الذاتي أو الاستقلال). الأمر المدهش هنا هو ذلك التعميم في العالم اليوم فيما يخص خطاب الثقافة من أجل تشخيص الهوية واللاهوية، وتشخيص مبادئ السيطرة الوطنية واستقلال الجماعات اللاقومية. وعندما تأخذ هذه العلاقة إطار الصراع بين الجماعتين القومية واللاقومية، يمكن تلخيص مطالبهما على الرغم من الاختلاف بينهما في الصفات الشخصية والعزم التاريخي في تأكيد حقوق الأفراد: اتخاذ قرار "الاختيار"، أو حتى على الأقل المفاضلة بين عدد من "الانتماءات" المتنافسة. وبالتالي لا يمكننا إلا أن نفرض السؤال التالي: ماذا إذا كان مصطلح الهوية الثقافية اليوم ليمر أكثر من استعارة للهوية الوطنية؟
ثانيا: الهوية واثبات الهوية في حقل الثقافة
تبدو هذه المشكلة إلى حد ما مكملة للمشكلة السابقة. لكن في الحالة الأولى تمكنا على الأقل من صياغة فرضية اعتمادا على السؤال الأول، هنا نكتفي فقط بطرح الأسئلة، التي لا ندعي شموليتها، ثم نحاول تصنيفها. كل واحد من هذه الأسئلة سوف يستدعي مناقشات مطولة، وبالتالي لابد من الاختيار، خاصة إذا ما توافرت صياغات أخرى أجدر بالتفضيل.
من الهوية في الثقافة الى الهوية في المؤسسة
السؤال الأول الذي يبدو بديهيا ولا يمكن تجاهله: هل هناك أية أهمية أو معنى للحديث عن الهوية في حقل الثقافة، في الوقت الذي لاحظنا سلفا ازدياد التشابك أو التداخل في كل معنى "للثقافة" بحيث يدل كتعريف لموضوع أكثر من المكان أو الوظيفة التي لا تزال غامضة كعناصر في التعريف. إن إضافة نعت "ثقافي" لمصطلح الهوية لا يعطيها صفة التأهل أو القبول، بل على العكس من ذلك يضيف لها ذلك النعت مشكلة التعريف. أما الانتشار المعاصر للخطابات التي تتحدث عن أزمة الهوية الثقافية من الأفضل لها الحث على إدراك الفصل بين المصطلحين (الهوية والثقافة).
من أنا؟ من نحن؟ من هم؟ هذه أسئلة أساسية ومهمة والإجابة عليها تحاول ترجمة معرفة الهوية، تلك الاجابة لا تتحدد بشكل دقيق بمجرد مرجعيتها الثقافية، لأن حالة انتماء "الأنا" أو "الأخر" وارتباطهما بحقل الثقافة أمر مبهم. أما حل هذه الاشكالية فيتم إما عن طريق اعتماد التشابه الوظيفي بين الثقافة والواقع لم الهوية في الثقافة تقارن بالهوية في الواقع، تلك التي يمكن تصنيفها وتحديد خصوصيتها المحلية)، أو عن طريق تبني منهج التضاد أو التناقض بين الواقع والثقافة لم تصور الهوية في الثقافة وكأنها رفض للشيء الخارجي أو الوجود الطبيعي للأشياء في الحالة العقلية أو الروحية). في الحالة الأولى نظام من الاستعارات، وفي الثانية نظام من حالات الرفض والإنكار. لكن لا يوجد مبرر للقيام بإعادة تعريف زالشيء الطبيعيس من أجل التأكد من أهمية البحث عن السؤال: من أنا؟ الذي لا يعطي خصوصية للفردية بشكل دقيق ولا رفض راديكالي للموضوعية. بل على العكس من ذلك سيفتح ذلك السؤال مشكلة قد نتمكن وقد لا نتمكن من حلها: كيف يمكنني (كيف يمكننا، كيف يمكنهم) التلقي من الأخر أو من مجموعة الآخرين إشارات عن خصوصيتي (خصوصيتنا، خصوصيتهم). هذا السؤال لا يتواكب مع ماهية الهوية في حقل الثقافة أو مع الطريقة التي تحدد بها الثقافة الهوية، خاصة عند تعريف الثقافة كحقل من الخبرات التي يمكن من خلالها تمييز الهويات، أو ذلك الحقل الذي يمكن وصفه بعدد من الإجابات الفلسفية من قبيل: وجودي، منطقي، وواقع وراء الخبرة.
لكنني سوف ألزم نفسي هنا بالاقتراح التالي: إن أي مصطلح يتضمن الهوية والثقافة يحتاج إلى ربطه بأكثر من مصطلح وبمتغيرات أصلية تفترض سلفا: الموضوع والمؤسسة - أو أي مصطلح أخر معادل – وبالتالي سأفترض هنا للتوضيح الفرضيتين التاليتين:
- هناك هوية عن طريق الموضوعات وللموضوعات فقط.
- وهناك ثقافة عن طريق المؤسسات وللمؤسسات فقط.
وبشكل واضح يمكن أن تكتسب هاتان الفرضيتان أهمية إذا لم يكن "الموضوع" تعبيرا أو كلمة أخرى للهوية - الهوية الذاتية – و "المؤسسة" ليست فقط مجرد كلمة أخرى للثقافة. ويبدو أنه يمكننا القول إن الموضوع يحمل مرجعية لأفراد يمكن تمييزهم من خلال اللغة، من مثل القول "أنا"، "نحن" و "هم" في السياق. أما المؤسسة فهي عادة تهتم بأي نشاط إنساني يتضمن نشاط توزيع محدد ´ لأوضاع بعينها أو تعهدات ووظائف منفعية، فعالية، واتصال. والمؤسسة قابلة أن تكون معبرة ومشرعة في خطابات معينة سواء عن طريق رموز، قصص أو برامج.
وفي هذا السياق يصبح سؤال الهوية أساسيا ويطرح بطريقة رسمية، لأن "أنا"، "نحن" و "هم"، تعبيرات متساوية لموقف ذاتي، ثم أن الموضوع -كاصطلاح - لا يمكن نسبته إلى أي من أولئك الأفراد (أنا، نحن، هم) لكنه يظل عائما باستمرار بين تلك الفئات الثلاث. كما أن سؤال الثقافة أساسي أيضا، لأنه باختلاف الزمان والمكان، لا تتقاسم كل المجتمعات - حتى وهي تمتلك طابع الدولة الوطنية بشكل عام - الأوضاع، ووظائف الإنتاج، واعادة الإنتاج، والاتصال، والذاكرة، والمعرفة وغيرها بطريقة واحدة. لكن ينتقل الموضوع من اللغة إلى الممارسة، وتنتقل المؤسسة من الممارسة إلى الخطاب.
إنه ليس من الضروري قبل أن نبدأ التأطير النظري للهوية الثقافية، السؤال عماذا يعني للأفراد أو الجماعات موضوع المواجهة مع المؤسسات، وما هي صيغ وأنماط تلك المواجهة، وهل هناك مخاطر من وراء تلك المواجهة؟ هذه المشكلة ليست لها علاقة بعلم الاجتماع أو النفس، أو حتى بشكل أقل بنظرية الفردية أو الأنظمة مثل علاقتها بنفعية اللغة أو الجانب السياسي لعلم دراسة الإنسان. لكن ليس من الضروري أيضا من حيث المبدأ تعطيل الافتراض المسبق الذي ينظر إلى الثقافة "ككل"، وبالتالي ينظر إلى علاقة الأفراد بالثقافة إما كعلاقة كلية أو أنها غير موجودة يحكمها منطق الهوية والاختلاف، والاندماج والإقصاء. لأن السؤال التالي لاستبعاد مثل ذلك الافتراض، ماذا يمكننا أن نضع مكانه؟ ببساطة نضع محله تلك الفكرة التي تؤكد أنه في مجال الممارسات الإنسانية، تزيد المواقف الذاتية من المعالجات المتعددة الإشكاليات في توزيع الهوية الثقافية. ثم أن تلك الإشكاليات في المعالجات كنظام أو كمجموعات تبادلية شاملة يمكن أن تصبح منطقيا ظواهر ثانوية.
الهوية أو إثبات الهويات
أليس من الضروري أن يستحضر أصحاب نزعات الاختلاف في صراعات أو أزمات معينة موضوع الهوية الثقافية؟ الهوية لا يمكن أن تكتسب سلميا: إنها تطرح كضمان في مواجهة خطر الإبادة أو الإلغاء من قبل هوية أخرى. وبالتالي يجب علينا أن لا نعمم ما وصف به علماء الاجتماع وعلماء النفس على حد سواء "صياغة الهوية" في الوقت الراهن سواء كانت عرقية أو دينية قائلين بأن الهوية التي تتم المطالبة بها -شكل علني أو صامت- إنما تتم دراستها كوظيفة للأخر، واستجابة لرغبته، وقوته وخطابه الذي يعرض قوته متفوقة على رغبته. إلى حد معين سيصبح مفهوم "الهوية التقليدية" (أو الهوية الموروثة) متناقض في معانيه. ونصبح أكثر دقة إذا قلنا أن الهوية هي خطاب التقليدية. في الحقيقة لا يوجد هويات وانما إثبات للهويات: سواء مع المؤسسة نفسها أو مع موضوعات تمر من خلالها، أو كما يفضل البعض، الهويات هي مجرد الهدف المثالي لعمليات إثبات الهوية، ونقاط ملكيتها، وهي تأكيد أو عدم تأكيد الشعور بها وبالتالي مرجعيتها المتخيلة. لكن هذا لا يعني أن عمليات إثبات الهوية مجرد عمليات متخيلة. ويمكن ببساطة وصف تأثيرات عمليات إثبات الهوية في بناء التمثيل أو الطريقة التي من خلالها توفر تلك العمليات مكانا يسمح للفرد بتصور نفسه "كذات"، بأنها تأثيرات غير كاملة. في الجانب العملي، نجحت بعض أنواع إثبات الهويات بطريقة متناقضة وسقطت أخرى بل أن التعايش معها أصبح صعوبة. فإلى جانب طابعها العام لابد من مراعاة هذا الاختلاف. إنه لا يتوافق ببساطة وبوضوح مع الاختلاف بين المطابقة أو عدم المطابقة، التلاؤم أو عدم التلاؤم مع الطقوس، الحكم والمعتقدات الموضوعة عن طريق المؤسسة المسيطرة. ويمكن الاقتراح بأن بناء الهوية ليست عملية ´ متخيلة إنما هي إعمال للخيال: سلوك، تاريخ أو استراتيجية فردية للموضوع في علاقته بالخيال (هو في علاقته بـ "الأخرين"). إذن، لماذا يجب أن يبلغ ذلك السلوك، الإستراتيجية أو التاريخ ذررته في إثبات مبهج لهوية ما، أو مقاومة عدائية تجاه ذلك الإثبات بعض الافراد مع أحادية وضخامة "نحن" أو مع رموز وشعارات تصور السلوك والإستراتيجية والتاريخ التي تحدد المقترح ككل متكامل أو لا يكون. في هذا الصدد أيكني تصور الفكرة العامة في الهيمنة أو السيطرة، او التفكير في التخيل كلحظة أو أداة لتوان ن القوة؟ لا يوجد ما يؤكد لنا أن التأثير العملي للحظة التخيل تلك، في أي ظرف، تعتمد على ضعف قدرة التمييز أو الفصل بين "الأنا" و "نحن".
مشكلة الانتماء
إذا تصورنا أن قضية الهوية على درجة من الأهمية، هل يعني ذلك أنها قضية متفردة؟ نفس هذا الخطاب هو الذي جعل كل ثقافة في كل الأطروحات صعبة الانتماء إلى عدد من الثقافات: وبالتالي فإنه لا يوجد مجتمع مؤسس - بشكل أدق لا توجد أمة - يمكن اعتبارها متعددة الثقافة.
لكن نقاد هذا الموقف - متأثرون بروح الحركات السياسية - ببساطة وبشكل واضح مترددين في اتخاذ موقف مضاد لها. وإذا غامروا باتخاذ موقف ما فإنهم يظلون مترددين بين عدة طرق للتعبير أو اتخاذ ذلك الموقف الناقد: هل يجب علينا الافتراض أن كل فرد ينتمي دائما إلى أكثر من ثقافة؟ أو أنه يجب علينا افتراض أن مصطلح الثقافة إذا نظرنا اليه بشكل معزول متناقض المعاني وبالتالي فإن الانتماء إلى ثقافة ما يعني الانتماء إلى وحدة متكاملة تمثل نقطة تقاطع والتقاء لثقافات؟
يبدو أن هذه المعضلة لا يمكن حلها دون السؤال عن كيفية عمل "منطق الانتماء" الذي يبدو أنه يربط الهويات بالثقافات. هنا يفترض جين ملينز Jean-Claude Milnerx) التمييز بين نوعين من الطبقات أو المجموعات: طبقات التخيل وطبقات الرمز. ويضيف اليها نوعا ثالثا هي طبقات التناقض أو التعارض. بالنسبة لطبقات التخيل يمكن إيجادها متفوقة على نسبة الملكية أو الملكيات العامة للأفراد، على افتراض أنها تميز وتوجد مستقلة عن قضية النسبة تلك. بعبارة أخرى تجمع طبقات التخيل أولئك الأفراد على افتراض الشبه المرئي (الأسود أو الأبيض، العاري أو المكتسي) أو بشكل عام الشبه القابل للعرض (الشبه الشخصياتي أو الأخلاقي) بين أعضاء تلك الجماعات. أما طبقات الرمز فتكمن في الحقيقة التي يصعب عرضها من أن الموضوعات تستجيب لنفس الاسم الذي تستجوبه ويستجوبها. ولذلك نقول "رجل فونسي"، "مسيحي"، "شيوعي". وبالتالي فإنه لا يتم تمييز أو تحديد الموضوعات على أساس تشابه الإفراد، بل على أساس أنهم أفراد متكافلون بالإضافة إلى أنهم مطلقا غير متشابهين (متفردين).
هوية الانسان في الوطن العربي - «مشروع قراءة جديدة»(4)
تعريف الهوية
اثبت العلم الحديث ان الانسان ، مهما كان لونه او عرقه ، يتساوى بصورة عامة مع اي انسان آخر مهما كان لونه او عرقه في المورثات البشرية ، التي تحدد قدراته وقابلياته واستعداداته واتجاهاته ، كما تؤكد الديانات والمدارس الفلسفية والمذاهب السياسية في الوقت الحاضر ، وفي سائر انحاء العالم ، ان الانسان مهما كان لونه او عرقه او عقيدته او جنسيته ، يتساوى تساويا كاملا ومطلقا في الحقوق والواجبات مع اخيه الانسان ، اينما وجد على سطح المعمورة ، كما تؤكد هذه الديانات والمدارس الفلسفية والمذاهب حق هذا الانسان في ان يعيش حياة كريمة لائقة بانسانيته ، حياة تسودها الحرية والعدالة والمساواة والامن والاستقرار.
ومع كل هذا التساوي ، فإن الانسان في اي مجموعة بشرية يختلف عن الانسان في اي مجموعة بشرية اخرى بشيء مهم جدا يطلق عليه اصطلاح «الهوية». يقول «احمد ماضي»: «... ان شعوب العالم واممه موحدة من موقع كونها شعوبا تشترك في كونها بشرا لهم آمال واحلام ومشاكل ، ولكنها متمايزة من موقع هوياتها. بعبارة اخرى ، ان للانسان هوية خاصة به تميزه عن غيره ، وبالتالي «هوية» خاصة بالمجموعة البشرية التي هو احد اعضائها وتميزها عن بقية المجموعات البشرية الاخرى في هذا العالم. من جهة اخرى ، ان هذه «الهوية» هي الرباط الرئيسي الذي يجمع ويوحد اناس هذه المجموعة ويجعل منهم شعبا او امة او غير ذلك.
ان معنى كلمة «الهوية» بفتح الهاء يختلف اختلافا بينا عن معنى كلمة «الهوية» بضم الهاء. يقول عبدالخالق «... ان الهوية (بفتح الهاء) تعني على الصعيد المعجمي العربي القديم: (البئر البعيدة القعر..) وجاء في معجم متن اللغة ان الهوية هي الهوة البعيدة القعر. ويقول حسن سعيد الكرمي «.. الهوية هي البئر البعيدة القعر: ويقال وقع الرجل هوية.. والجمع هوايا.. وجاء في لسان العرب لابن منظور».. الهوية بئر بعيدة المهواة..»
اما كلمة (الهوية) بضم الهاء فهي كلمة جديدة طارئة على اللغة العربية. يقول رسول محمد رسول: «.. ان مصطلح الهوية في حد ذاته لا يمت بصلة الى جوهر اللغة العربية ، فهو طارىء عليها ومن منظومة اخرى ، وهذا ما يؤكده ابن رشد في كتابه تفسير ما بعد الطبيعة. في معرض شرحه لهذا المفهوم.. ويقول احمد ماضي: ان المعاجم العربية القديمة تخلو من كلمة الهوية ، ولا نجد هذه الكلمة الا في المعاجم الحديثة.
ومع ان كلمة الهوية بضم الهاء كلمة مستحدثة في اللغة العربية فانها استقرت كاصطلاح له تعريفاته التي تعكس مفهوم المعرفيين لهذا الاصطلاح. فالهوية بالنسبة لجبران مسعود هي «.. الحقيقة المطلقة في الاشياء والاحياء المشتملة على الحقائق والصفات الجوهرية: هوية النفس الانسانية ، بطاقة الهوية منسوبة الى هو». ويعرف عبدالخالق الهوية ويقول ان «.. الهوية «بضم الهاء» تعني على الصعيد المعجمي والفلسفي العربي الحديث: «حقيقة الشيء او الشخص التي تميزه عن غيره» ، وعلى الصعيد الاجتماعي المدني العربي الحديث: «بطاقة يثبت فيها اسم الشخص وجنسيته ومولده وعمله.. وتسمى البطاقة الشخصية».
ويقول احمد ماضي: ان المعاجم الحديثة تعرف الهوية على «.. انها (الذات). ما يعرف الشيء في ذاته دون اللجوء الى عناصر خارجية لتعريفه. وتستعمل ايضا للدلالة على الجوهر والخاصية. ومعلوم ان تحديد الهوية بأنها تماثل الشي مع ذاته ، او ذات الشيء ، انما يعود لارسطو طاليس».
وجاء في معجم الوسيط ان «الهوية في الفلسفة حقيقة الشيء او الشخص الذي تميزه عن غيره ، وبطاقة يثبت فيها اسم الشخص وجنسيته ومولده وعمله..» وفي المعجم العربي الاساسي فإن الهوية بطاقة يظهر فيها اسم الشخص وتاريخ ميلاده ، ومكان مولده وجنسيته وعمله. وفي الفلسفة حقيقة الشيء او الشخص الذي تميزه عن غيره. ويذكر جميل صليبا في معجمه الفلسفي تعريفا تتبلور فيه الدلالة الميتافيزقية واللاهوتية اكثر اذ تقرأ: ان الهوية هي الوجود المحض الصريح المستوعب لكل كمال وجودي شهودي. وجاء في تاج العروس ان (الهوية) عند اهل الحق: هي الحقيقة المطلقة المشتملة على الحقائق اشتمال النواة على الشجرة في الغيب المطلق. ويقول احمد صدقي الدجاني ان كلمة (الهوية) مشتقة من كلمة (الهو) وهي حقيقة الشيء المطلقة المشتملة على صفاته الجوهرية.
ويعرف محمد عابد الانصاري الهوية ويقول: ان «الهوية وجود وماهية.. الوجود سابق للماهية دوما ، الشيء يعني ان الماهية ليست معطى نهائيا ، بل شيء يتشكل ، شيء يصير».
ويقول امين معلوف ان الهوية.. «المسألة الاساسية للفلسفة منذ قال سقراط اعرف نفسك بنفسك وصولا الى فرويد ومرورا بالعديد من المعلمين الاخرين». ويعرف ابراهيم عثمان الهوية قائلا: «.. ان مفهوم الهوية هو: تعريف الانسان لنفسه من خلال انتمائه في اطار مرجعي يعود اليه في اطار تحديد هذه الهوية وتحديد الذات». واما حسن سعيد الكرمي فيعرف الهوية قائلا: «.. الهوية هي الانتماء. فيقال هذا عربي الهوية وذاك هندي الهوية. وتذكرة الهوية هي البطاقة الشخصية..». ويضيف تركي الحمد تعريفا آخر للهوية الهوية ويقول: «.. ان الهوية ممارسة وسلوك ، قبل ان تكون تصورا ذهنيا ، ومن خلال الممارسة تتكون». ويعرف عبدالعزيز الدوري الهوية ويقول ان «.. الهوية هي ما يشخص الذات ويميزها».
وفي الثقافة الغربية عرف احد الباحثين الهوية بأنها تنظيم الانسان لعلاقاته وخصائصه ورغباته وتوجهاته السابقة واللاحقة والتي تعبر عن ذاته وعن اتجاهاته نحو الناس. وعرفها باحث آخر بأن الهوية ليست عملية عقلية قائمة بذاتها ، وانما هي ايضا نتاج التفاعل بين الانسان والمؤسسات الاجتماعية التي يعيش الانسان في اطارها كالاسرة والطبقة الاجتماعية والمجموعة الاثنية والمحيط الثقافي والايديولوجي. ويعرفها باحث ثالث فيقول ان الهوية احساس الانسان بالاستمرارية عبر الحياة واحساسه بالولاء والانتماء الى فئة ما او فكرة ما.
ومن خلال استقراء عينة التعاريف آنفة الذكر للهوية «بضم الهاء» يلاحظ ان اغلبها يؤكد ان هوية الانسان هي حقيقته التي تميزه عن انسان آخر. وحيث ان اي انسان مهما كان لونه او عرقه او عقيدته او جنسيته او جنسه مساو لاي انسان آخر مهما كان لونه او عرقه او عقيدته او جنسيته او جنسه ، فإنه يمكن القول ان التميز الذي يحدد هوية الانسان ما هو الا شكل انتمائه. هذا ويلاحظ ان بعض التعاريف آنفة الذكر للهوية ربطت بين الهوية والانتماء. ويؤكد ذلك احمد ماضي: «.. ، ان مصطلح (الانتماء) عامل اساسي في تحديد الهوية..».
الهوية محصلة الانتماءات
خلاصة القول ، ان لكل انسان هوية هي عبارة عن محصلة انتماءاته التي يشترك فيها مع افراد المجموعة البشرية التي هو احدها ، وفي الوقت نفسه يتميز من خلالها عنهم. والهوية هي السمة التي تميز اي مجموعة من البشر عن اي مجموعة بشرية اخرى سواء أكانت شعبا ام امة. وتتطور هوية الانسان نتيجة محصلة متكاملة من انتماءاته. وآخذين بعين الاعتبار هذين الامرين ، فإن الغرض من هذا الكتاب هو وضع مشروع تصور لهوية الانسان في الوطن العربي من خلال تحديد الانتماءات الرئيسية ، التي تحدد هذه الهوية ، اذ ان المكتبة العربية تفتقر الى دراسة شاملة للهوية في الثقافة العربية في الوقت الذي تتعرض له هوية المواطن في الاقطار العربية لشتى التهديدات.
لقد اصبح وضع مشروع تصور لهوية الانسان في الوطن العربي ضرورة ملحة ، ذلك ان موضوع الهوية ، بصورة عامة ، اصبح موضوعا مهما في عالمنا المعاصر في خضم التطورات والتغيرات المتسارعة في العالم. يقول علي محافظة: «.. ان موضوع الهوية هو موضوع في غاية الاهمية..» ويقول رسول محمد رسول «.. بات امر الهوية امرا حيويا وفاعلا في الثقافات والحضارات المعاصرة ، خصوصا في مراحل الصراع والتصادم والتوحد والاندماج ، مراحل تقارب الثقافات وتباعدها. وكان هذا يتم وما زال وسيبقى متواصلا في عصر يتنامى فيه الاحساس بالاختلاف والقلق.. البشري بشأن التعايش والتواصل ، او الصدام والتقاطع ، ومن هذه الحالات تفترض الهوية كمرجعية في الفعل والسلوك».
ويقول صموئيل هنتنجتن «في عالم ما بعد الحرب الباردة اصبحت الاعلام تدخل في الحساب وتوضع في الاعتبار ، وكذلك رموز الهوية الاخرى مثل الصليب والهلال.. حتى غطاء الرأس ، لان الثقافة لها اهميتها ، ولان الهوية الثقافية هي الاكثر اهمية بالنسبة لمعظم الناس».
معاني المصطلحات
تأخذ المصطلحات التالية ، الواردة في هذا الكتاب ، المعاني المذكورة ازاءها ما لم تدخل القرينة خلاف ذلك :
- الحضارة: مجموعة الاعتقادات والقناعات والمفاهيم والاتجاهات التي تؤمن بها مجموعة الناس وبالتالي توحدهم فكريا وعقليا ووجدانيا.
- مرتكزات الحضارة: مجموعة الثوابت التي تتطور على اساسها الحضارة وتتشكل هذه الثوابت من قواعد ومبادىء.
- قواعد الحضارة: نظرة الحضارة للخالق والكون والانسان.
- مبادىء الحضارة: مجموعة المحددات المتطورة عن قواعد الحضارة والتي تنظم حياة الفرد والمجتمع.
- الحضارة الاسلامية: الحضارة التي ينتمي اليها المسلمون في العالم.
- المسلم: الانسان الذي يؤمن بالعقيدة الاسلامية وينتمي الى الحضارة الاسلامية.
- الاسلامي: المسلم الذي يعمل للاسلام فكريا او اجتماعيا او سياسيا.
- الثقافة: كل ما انتجه الانسان ، او بعبارة اخرى كل ما عند المجتمع من فكر وعلم وفن وادب ونظم وعادات وتقاليد وقيم ومثل وادوات ووسائل واساليب ، ويطلق على كل هذا اصطلاح مكونات الثقافة وتتحلل هذه المكونات الى عوامل يطلق عليها عناصر الثقافة. وتتأطر عناصر الثقافة في مجموعتين: الاولى عموميات الثقافة والثانية خصوصيات الثقافة.
- الثقافة العربية: ثقافة الانسان في الوطن العربي.
- عموميات الثقافة العربية: العناصر الثقافية التي يشترك فيها جميع سكان الوطن العربي.
- خصوصيات الثقافة العربية: العناصر الثقافية التي تشترك فيها مجموعة معينة من سكان الوطن العربي وتتكون خصوصيات الثقافة من خصوصيات قطرية وخصوصيات فئوية.
- الخصوصيات الوطنية: العناصر الثقافية التي يشترك فيها ابناء كل قطر من اقطار الوطن العربي.
- الخصوصيات الفئوية: العناصر الثقافية التي يشترك فيها ابناء مجموعة معينة في اي قطر من اقطار الوطن العربي.
- العالم الاسلامي: جميع الدول التي يشكل المسلمون فيها اغلبية سكانية.
- الوطن العربي: الارض المعروفة بالجغرافيا السياسية باسم الوطن العربي والتي تشمل اراضي جميع دول جامعة الدول العربية.
- الامة العربية: مجموعة سكان الوطن العربي الذين يشعرون عقليا ووجدانيا بانهم منتمون الى الحضارة الاسلامية والثقافة العربية.
- العربي: الانسان الذي ينتمي الى الحضارة الاسلامية والثقافة العربية وبالتالي الى الامة العربية.
- القومية العربية: انتماء يتعلق بارتباط الانسان في الوطن العربي الى حضارة هذا الوطن ، والى ثقافة هذا الوطن ، والى ارض هذا الوطن والى امة هذا الوطن.
- القطر: جزء من اجزاء الوطن العربية تقوم عليه دولة عربية معترف بها ذات سيادة.
- الشعب: مجموعة سكان اي قطر من اقطار الوطن العربي الذين يشعرون عقليا ووجدانيا بانهم ينتمون ، وفي اطار انتمائهم الى الامة العربية ، الى ذلك القطر الذي يتوطنون فيه ، والى سكان هذا القطر.
- الوطنية: انتماء يتعلق با
إطار الدراسة وإجراءاتها المنهجية
إن عملية التنشئة الاجتماعية من أهم العمليات تأثيراً على الأبناء فى مختلف مراحلهم العمرية، لما لها من دور أساسي في تشكيل شخصياتهم وتكاملها، وهي تعد إحدى عمليات التعلم التي عن طريقها يكتسب الأبناء العادات والتقاليد والاتجاهات والقيم السائدة فى بيئتهم الاجتماعية التى يعيشون فيها، وعملية التنشثة الاجتماعية تتم من خلال وسائط متعددة، وتعد الأسرة أهم هذه الوسائط، فالأبناء يتلقون عنها مختلف المهارات والمعارف الأولية كما أنها تعد بمثابة الرقيب على وسائط التنشئة الاخرى، ويبرز دورها- الأسرة - فى توجيه وإرشاد الأبناء من خلال عدة أساليب تتبعها فى تنشئة الأبناء، وهذه الأساليب قد تكون سويه أو غير ذلك وكلا منهما ينعكس على شخصية الأبناء وسلوكهم سواء بالإيجاب أو السلب .
وإذا كانت الأسرة من خلال دورها، كأهم وسيط من وسائط التنشئة تسهم فى تشكيل سلوك الأبناء، فأنه لا يمكن انكار دور المناخ الاجتماعى الذى تعيش فيه الأسرة سواء أكان مجتمعا محليا أومجاورة سكنية وما يتسم به من بعض الصفات والخصائص والثقافة الفرعية التى تميزه عن غيره من سائر المجتمعات ، والتي يكون لها –فى اعتقاد الباحث – تأثير لا يقل أهمية عن دور الأسرة على افرادها بمعنى :أن المناخ الاجتماعي يسهم بما لا يدعوا للشك فى تبنى أساليب معينة فى التنشئة الاجتماعية تختلف من مكان لآخر باختلاف الثقافة الفرعية للمجتمع إلى جانب المستوى التعليمى وثقافة الوالدين داخل الأسرة .
وعليه فان سكان المناطق العشوائية وان كانوا خليطا غير متجانس الا أنهم يتسمون ببعض الخصائص التى لا تتواجد فى مجتمعات أخرى، وقد أدى ذلك إلى اتسامها بالعديد من الثقافات،الامر الذى قد ينتج عنه ظهور العديد من أساليب التنشئة الاجتماعية التى تتبعها الأسرة فى تنشئة الأبناء فى تلك المناطق، يضاف إلى ذلك أن هذه المناطق تعتبر مناخا جيداً لتنامى البؤر الاجرامية والانحرافات بمختلف أشكالها، بما يؤثر بطريقة أو بأخرى على سكان تلك المناطق بصفة عامة والنشء بصفة خاصة، هذا من ناحية، وتبنى الأسر لأساليب تتواءم مع مختلف الثقافات الوافدة إلى تلك المناطق – فى اعتقاد الباحث-بما يعكس طبيعة أسرهم، مما يؤدى بالبعض من الأبناء إلى الانخراط فى تلك البؤر الاجرامية كنتيجة لبعض الأساليب الخاطئة فى التنشئة ، ويعد ذلك اهداراً للثروة البشرية التى يجب استثمارها لتقدم وازدهار المجتمع، وهناك العديد من الدراسات التى تناولت المناطق العشوائية بالبحث والدراسة، إلا أنه رغم ثراء وغزارة تلك الدراسات التى أجريت حول المناطق العشوائية، فإنها تخلو من الابحاث التى تتناول أثر أساليب التنشئة الاجتماعية فى تلك المناطق على انحراف الأبناء، الأمر الذي دفع الباحث لاجراء دراسته فى موضوع "أساليب التنشئة الاجتماعية وعلاقتها بالسلوك الانحرافى فى المناطق العشوائية" .
أولا: أهمية الدراسة :
إن لكل دراسة أكاديمية أهميتها التى تدفع الباحث لسبر اغوارها، ومحاولة التوصل إلى نتائج تجيب على تساؤلاته، ويكون طريقه فى ذلك الأدوات المختلفة للبحث العلمى ومناهجه مع استخدامها بطريقة علمية موضوعية، والبحث العلمى فى علم الاجتماع يسعى إلى تحقيق هدفين رئيسيين :أولها نظري، والثاني عملي، والهدف النظري :يتم من خلاله التعرف على طبيعة الحقائق والعلاقات الاجتماعية، والنظم الاجتماعية،اما الهدف العملى :فيمكن الاستفادة منه فى وضع خطة للاصلاح على اساس سليم وفق ما يرتضيه التطور الطبيعى للمجتمع([1]) .
وتكمن الأهمية النظرية للدراسة الراهنة فى أن هناك دراسات عديدة أجريت حول التنشئة الاجتماعية وعلاقتها بمتغيرات متعددة، الا أن الباحث سعى إلى دراسة أساليب التنشئة الاجتماعية التى تتبعها الأسرة فى المناطق العشوائية ومدى انعكاسها على بناء شخصية الأبناء، وأنماط سلوكهم المختلفة، وبذلك يكون الباحث قد تناول هذه الظاهرة من زوايا جديدة لم يتطرق اليها أحد غيره من الباحثين، وتأتى الأهمية العملية فى أن الدولة تولى عناية خاصة بالمناطق العشوائية من خلال برامج التطوير للقضاء على المشكلات التى تعتريها، لذا كان من الضرورى التعرف على أهم أساليب التنشئة الاجتماعية التى تتبعها الأسرة فى تنشئة الأبناء فى تلك المناطق من أجل محاولة إعداد البرامج العلاجية والوقائية والتوعية بأساليب التنشئة السوية لسكان هذه المناطق .
ثانيا : أهداف الدراسة :
إن لكل دراسة هدف أو غرض يجعلها ذات قيمة علمية، والهدف من الدراسة يفهم عادةً على أنه السبب الذى من أجله قام الباحث باعداد هذه الدراسة و البحث العلمى هو الذى يسعى إلى تحقيق أهداف عامة غير شخصية ذات قيمة و دلالة علمية .([1]) وتهدف الدراسة الراهنة للتعرف على إحدى المشكلات العامة التى يعانى منها المجتمع المصرى، وخاصة المناطق العشوائية، وهى أساليب التنشئة الاجتماعية وعلاقتها ببعض المظاهر الانحرافية للابناء، وتتمحور حول هدف رئيسى مؤداة :
الكشف عن أهم أساليب التنشئة الاجتماعية التى تتبعها الأسرة فى المناطق العشوائية وعلاقتها بالسلوك الانحراف للابناء .
ويتفرع من هذا الهدف مجموعة من الاهداف الفرعية وهى :
1- الوقوف على أهم أساليب التنشئة المتبعة فى المناطق العشوائية .
2- الوقوف على أشكال الثواب والعقاب التى تتبعها الأسرة .
3- الوقوف على أهم مظاهر التفرقة فى المعاملة بين الأبناء .
4- التعرف على دور الأسرة فى تشجيع الأبناء على العدوان من عدمه .
5- معرفة العلاقة بين أساليب التنشئة الاجتماعية و بعض أنماط الانحراف التى يأتيها بعض الأبناء .
6- التعرف على أهم أشكال الانحراف الصادرة من بعض الأبناء فى المناطق العشوائية .
7- التعرف على أهم الاحتياجات الأساسية للأبناء داخل الأسرة وخارجها ومدى توفيرها .
([1]) محمد شفيق : البحث العلمى – الخطوات المنهجية لاعداد البحوث الاجتماعية ( الإسكندرية : المكتب الجامعى الحديث ، 1998) ص55
ثالثا : تساؤلات الدراسة :
ترتبط تساؤلات الدراسة بالاهداف التى يضعها الباحث نصب عينيه، والتى من أجلها تجرى الدراسة، وتقوم الدراسة الراهنة على تساؤل رئيسى مؤداه : هل هناك علاقة بين أساليب التنشئة الاجتماعية وبعض مظاهر الانحراف الاجتماعى فى المناطق العشوائية ؟
وينبثق عنه التساؤلات الآتية:-
س1- ما اهم أساليب التنشئة الاجتماعية التى تتبعها الأسرة فى المناطق العشوائية ؟
ويتفرع عنه عدة تساؤلات فرعية هى .
(أ) ما أساليب التنشئة الاجتماعية المتبعة فى المناطق العشوائية ؟
(ب) ما أشكال الثواب والعقاب التى تتبعها الأسرة فى المناطق العشوائية ؟
(ج) هل هناك علاقة بين تنشئة رب الأسرة والطريقة التى يستخدمها فى تنشئة أبنائه ؟
(د) هل يقلد الأبناء السلوكيات التى تصدر عن والديهم ؟
س2- هل تقوم الأسرة بتدريب الأبناء على الاستقلال والاعتماد على النفس ؟
س3- هل هناك مظاهر للتفرقة بين الأبناء وعلاقة ذلك بالانحراف ؟
س4- هل هناك علاقة بين أساليب التنشئة وبعض مظاهر الانحراف الاجتماعى للابناء ؟
وينبثق عنه عدة تساؤلات فرعية هى :-
( أ ) هل تؤثر أساليب التنشئة على انحراف الأبناء ؟
(ب) هل تشجع الأسرة أبنائها على الاعتداء على الغير؟
(ج) هل يؤدى عدم اتفاق الوالدين على أسلوب معين للتنشئة إلى انحراف الأبناء ؟
(د) هل تؤثر طموحات الآباء الزائدة على مستقبل أبنائهم ؟
(هـ) ما أهم أشكال الانحراف الصادرة من الأبناء المقيمين فى المناطق العشوائية؟
س5- هل تتوافر احتياجات الأبناء الأساسية داخل الأسرة وخارجها؟
ويتفرع منه التساؤلان التاليان :-
(أ) هل توفر الأسرة للابناء الاحتياجات الاساسية من غذاء وكساء وعلاج ؟
(ب) هل تتوافر احتياجات الأبناء داخل المنطقة العشوائية من مدارس ومؤسسات ترويحية ومؤسسات ثقافية؟
رابعا: المنهج والأدوات : Method & Tools
1-المنهج
يقصد بالمنهج تلك الطرق والأساليب التى تستعين بها فروع العلم المختلفة فى عملية جمع البيانات واكتساب المعرفة ([1])، من الميدان ولكل ظاهرة أو مشكلة بعض الخصائص التى تفرض على الباحث منهجاً معيناً لدراستها، ويمكن للباحث أن يستخدم عدة مناهج وطرق متكاملة تعينه – الباحث –فى تحقيق هدفه العلمى .([2]) وفى هذه الدراسة سوف يستعين الباحث بمنهج دراسة الحالة وفى اطار التكامل المنهجى استخدم الباحث المنهج التاريخى والمنهج الوصفى . وسوف يتم العرض لكل منهج بشىء من التفصيل:
1- دراسة الحالة : Case study .M
هو طريقة لدراسة الظواهر الاجتماعية من خلال التحليل المتعمق لحالة فرديه قد تكون شخصا أو جماعه، أو مجتمعا محليا أو المجتمع بأكمله، ويقوم ذلك على افتراض أن الوحدة المدروسة يمكن أن تتخذ لحالات أخرى مشابهة أو من نفس النمط ([3]) ويتميز هذا المنهج بالعمق أكثر ما يتميز بالاتساع فى دراسته للأفراد أو المجتمعات، كما يتميز بالتركيز على الجوانب الفريدة من حياة الوحدة المدروسة .([4]) وهو يعد من اكثر مناهج البحث انتشارا وأكثرها استخداما للوصول إلى تفهم لاسباب انحراف الأبناء من خلال التعامل مع الاحداث والخبرات الهامة فى حياة الفرد، والتى تعد نقطة تحول تؤدى إلى تغيير حياته .كما أنها تنظر إلى الفرد وموقفة وسلوكه باعتباره تشكيلا كليا أو مركبا من العوامل التى تؤثر فيه على امتداد الزمن.([5])
وعليه استخدام الباحث منهج دراسة الحالة، لما له من دلالة فى الكشف عن العلاقات الاجتماعية التى تنشأ بين المبحوث ومن حوله من الأفراد الآخرين، ودلالة ذلك بالنسبة له وتأثيرها على سلوكه واتجاهاته وقيمة التى تتشكل من خلال تلك العلاقة([6])، وهذا ما تسعى اليه الدراسة من خلال تناول أساليب التنشئة التى تستخدمها الأسرة فى تنشئة الأبناء، وتأثير هذه الأساليب على سلوكيات وشخصية الأبناء المنتمين لهذه الأسر، ويعد رب الأسرة بمثابة الوحدة المدروسة فى هذه الدراسة :-
([1])عبد الهادى الجوهرى :معجم علم الاجتماع (القاهرة :مكتبة نهضة الشرق ،1982)ص182
([2])عبد الباسط محمد حسن : اصول البحث الاجتماعى ط (القاهرة :مكتبة وهبة ،1979)ص255
([3]) احمد رأفت عبد الجواد :(مرجع سابق :1982)ص47
([4]) محمد شفيق: البحث العلمى (مرجع سابق:1998) ص99
([5]) محمد الجوهرى – عبد الله الخريجى : طرق البحث الاجتماعى ( القاهرة : دار الثقافة والنشر والتوزيع ، 1990 )
ص ص 167 – 169
([6]) زيداه عبد الباقى : قواعد البحث الاجتماعى ط1( القاهرة : مكتبة القاهرة الحديثة ، 1972 )ص 240
ب- المنهج التاريخى: Historical- Method
يستخدم هذا المنهج لدراسة الظاهرة الاجتماعية من حيث نشأتها ونموها وتحليلها مع دراسة العلاقة القائمة بينها و بين ما يتصل بها من ظواهر، وأثرها على حياة المجتمع والجماعة موضوع الدراسة([1]). ودراسة الماضى يرتبط بعلاقة سببية مع الحياة الحاضرة للجماعة، فالحياة الاجتماعية تتميز بالديناميكية، ولهذا يجب التنبؤ من خلال دراسة الحاضر والماضى بمراحل النمو المتعاقبة، وقد أشار (Park ) بأنه لا يحدث شئ من فراغ اجتماعى فلكل شئ تاريخ ونمو طبيعي([2]).
وعليه استخدام الباحث المنهج التاريخى فى تتبع نمو المناطق العشوائية عامة ونمو منطقة الدراسة بصفة خاصة ، للوقوف على أهم مظاهر الحياة فى هذه المنطقة ومدى انعكاساته على الحياة الاجتماعية بالنسبة للأفراد المقيمين فيها .
ج- المنهج الوصفى:
يهدف هذا المنهج إلى وصف الظاهرة محل الدراسة وتشخيصها والقاء الضوء على مختلف جوانبها وجمع البيانات اللازمة عنها مع فهمها وتحليلها من أجل الوصول إلى المبادئ والقوانين المتصلة بظواهر الحياة والعمليات الاجتماعية الاساسية والتصرفات الانسانية ([3]) وعليه فقد استخدام الباحث المنهج الوصفى وذلك لوصف وتشخيص ظاهرة البحث بهدف لفت النظر إلى أبعاد هذه المشكلة والعواقب المترتبة عليها، بمعنى وصف أساليب التنشئة الاجتماعية المتبعة داخل المناطق العشوائية بهدف التحقق من العواقب المترتبة عليها.
- أدوات الدراسة :
هى الوسائل التى تمكن الباحث من الحصول على البيانات من مجتمع البحث وتصنيفها وجدولتها، ويتوقف اختيار الأداة اللازمة لجمع البيانات على عدة عوامل، فبعض أدوات البحث تصلح فى بعض المواقف والبحوث، بينما قد لا تكون مناسبة فى غيرها ([4]). وقد يشمل البحث عدة أدوات تناسب الدراسة وتتفق مع المناهج المستخدمة .وقد استعان الباحث فى دراسته الراهنة بعدة ادوات هى :-
أ- الملاحظة دون المشاركة : NON PARTECAPTION OBSERRV
وفيها يقوم الباحث بملاحظة الجماعة دون مشاركتها فى أنشطتها ودون إثارة اهتمام المبحوثين، ويكون الاتصال بأعضاء الجماعة مباشرا دون شعورهم بأنهم تحت الملاحظة ([5]). وهى تعد من أفضل الأدوات لدراسة أساليب التنشئة الاجتماعية لما تتيحه للباحث من فرصة التعرف على السلوك الفعلى للفرد فى صورته الطبيعية التلقائية كما هو فى الواقع ([6]). حيث قام الباحث بعدة زيارات لمجتمع البحث لاحظ فيها سلوكيات الأبناء الصغار الصادرة منهم أثناء اللعب فى الشارع،والمتسولين داخل المقابر من زوارها، وأيضاً ملاحظة سلوكيات الآباء الصادرة تجاه أبنائهم دون شعورهم بأنهم تحت الملاحظة .
([5])عبد الرؤف الضبع وعبد الرحيم تمام ابو كريشة :تصميم البحوث الاجتماعية(دب:دن:2000)ص51
([6]) محمد الجوهري وعبد الله الخريجى:طرق البحث الاجتماعى (مرجع سابق ،1990) ص92
ب- المقابلة الموجهة :Interview
تعنى المقابلة: المحادثة الجادة الموجهة نحو هدف معين، يقوم بها الباحث مع المبحوث لاستثارة أنواع معينة من المعلومات لاستغلالها والاستفادة منها ([1])وتستخدم المقابلة للحصول على تفاصيل أكثر عن موضوع الدراسة لا يمكن الحصول عليها من خلال الاستبيان، فهى تعطى بيانات مفصلة عن أنماط السلوك الاجتماعي أو تفسيرات معينة لهذه الأنماط من السلوك ([2]).وتقترن المقابلة بدليل دراسة الحالة الذى يشتمل على عدة أسئلة تتعلق بموضوع الدراسة.
وعليه قد استخدم الباحث المقابلة مقترنة بدليل دراسة الحالة للتعرف على أهم أساليب التنشئة الاجتماعية التى تتبعها الأسرة فى المناطق العشوائية فى تنشئة أبنائها . وكذلك التعرف على الآثار المترتبة على تلك الأساليب سواء بالايجاب أو السلب .
ج- الوثائق والسجلات الرسمية :
استعان الباحث ببعض الوثائق والسجلات الرسمية من خلال الزيارات التى قام بها لمؤسسة تربية البنين "الاحداث سابقا" حيث اطلع على المودعين بالمؤسسة من المنحرفين .وخاصة المقيمين فى المناطق العشوائية، كذلك اطلع على السجلات الموجودة بالمدرسة الاعدادية الموجودة بمنطقة الدراسة والتى توضح اعداد التلاميذ المتسربين من التعليم و الراسبين .
د- الاخباريون
أجرى الباحث العديد من المقابلات مع بعض من سكان المنطقة – محل الدراسة - للحصول على مزيد من المعلومات عن هذه المنطقة وخاصة من كبار السن والسكان الاصليين ممن عايشوا أو عاشوا فى المنطقة منذ زمن بعيد .
([1] ) عبد الباسط محمد حسن : ( مرجع سابق : 1979 ) ص ص324-325
([2])محمد الجوهري وعبد الله الخريجى (مرجع سابق:1990)ص 107
- تصميم الأداة (دليل المقابلة) :
تعد مرحلة تصميم الاداة من المراحل الهامة فى الدراسة، وعليها يتوقف نجاح البحث،ولذا تتطلب اعداداً جيداً من حيث المضمون والصياغة والتسلسل المنطقى فى تساؤلاتها، ويتوقف شكل الاسئلة على الطريقة التى ستجمع بها البيانات من ميدان البحث وأيضاً على المستوى الثقافى والتعليمى والاجتماعى والاقتصادى للمبحوثتين،وهل الاسئلة مباشرة أم غير مباشرة، وهل هى أسئلة مقفولة أو مفتوحة النهاية.([1])وقد استعان الباحث فى دراسته الراهنة بدليل دراسة الحالة كأداة لجمع البيانات من مجتمع البحث، وقد قام بوضع أسئلة بطريقة تمكنه من الحصول على البيانات التى تتصل بموضوع دراسته، فقد صاغ الباحث العديد من الأسئلة التى تخدم تساؤلات الدراسة وأهدافها . وساعده على ذلك اطلاعه على الدراسات السابقة التى أجريت فى مجال بحثه سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، كما أجرى الباحث عدة لقاءات مع الاهالى المقيمين فى منطقة الدراسة –الاخباريون- للتعرف على لهجة المبحوثين وطريقة الحوار معهم . وقد تم عرض أسئلة دليل دراسة الحالة على مجموعه من المحكمين المتخصصين ([2]). وذلك لقياس صدق الاداة والاستفادة من الملاحظات التى يبدونها .
وعليه تم إجراء بعض التعديلات على الدليل، بعض منها بالحذف والبعض الآخر بالاضافة،وبالنسبة للاسئلة المحذوفة منها، " يا ترى بتشترى لعيالك فى الاعياد والمناسبات هدوم ولعب جديدة ؟" واستبدل بمتغير " أسلوبه فى معاملة الأبناء عند القيام بفعل مرضى" ومن الأسئلة المحذوفة أيضا يا ترى لما حد من العيال بيعيا بتعمل ايه ؟ واستبدل ب" تفتكر ان كل ما يحتاجه ابنائك متوفر داخل الأسرة ؟ وتبعه متغيرات من حيث الغذاء والكساء والعلاج " كذلك تم حذف السؤال التإلىتفتكر أن فيه حد من اسرتك أو قرايبك اتهم ولو بالباطل فى تهم قبل كدة ؟ واستبدل ب ما هى اشكال الانحراف التى يرتكبها الأبناء فى المنطقة دى ؟ كذلك تم حذف العديد من المتغيرات التى تتبع الاسئلة ؛وبالنسبة للاسئلة المضافة منها،"تفتكر انك بتعود عيالك على الاستقلال من مصغرهم "؟ وأيضاً تم إضافة عدة متغيرات تتبع الاسئلة من قبل السادة المحكمين مما ساعد الباحث على اخراجها فى صورتها النهائية وبالشكل الملائم
وقد روعى أن يشتمل دليل دراسة الحالة على ما يلى :-
1- أسئلة تتعلق بالبيانات الأولية : وتشمل سن المبحوث والمهنة ودرجة تعليمه والحالة الاجتماعية له، ودرجة تعليم الزوجة وعدد الأبناء وتعليمهم ونوع المسكن ووصفة .
2- أسئلة تتعلق بأساليب التنشئة التى تتبعها الأسرة فى تنشئة الأبناء .
3- أسئلة تكشف عن دور الأسرة فى تنمية الاستقلالية والاعتماد على النفس لدى الأبناء .
4- أسئلة توضح مدى تدخل الأسرة فى اصدقاء الأبناء .
5- أسئلة تكشف عن التفرقة فى المعاملة بين الأبناء .
6- أسئلة توضح نوعية العلاقات داخل الأسرة .
7- أسئلة تبين رد فعل الأبناء تجاه بعض أساليب التنشئة .
8- أسئلة نظهر أشكال الانحراف السائدة فى المناطق العشوائية والتى تصدر من الأبناء .
9- أسئلة تكشف عن التذبذب فى المعاملة من قبل الوالدين .
10- أسئلة تبين مدى توافر الاحتياجات الاساسية للابناء داخل الأسرة وخارجها .
وندور أسئلة دليل دراسة الحالة حول الاهداف الرئيسية والفرعية التى يسعى الباحث للتحقق منها من خلال اجابته بالاسلوب العلمى على التساؤلات التى تطرحها دراسته .
([1]) محمد شفيق : البحث العلمى ( مرجع سابق : 1998 ) ص ص 169 – 178
([2]) المحكمون هم السادة :-
-الأستاذ الدكتور / عبد الرؤف الضبع : استاذ ورئيس قسم الاجتماع . كلية الآداب بسوهاج
- الأستاذ الدكتور / محمود عبد الحميد حسين : استاذ ورئيس قسم الاجتماع بكلية الآداب جامعه أسيوط
- الدكتور / سيد حسانين بخيت : مدرس علم الاجتماع بكلية الآداب جامعه أسيوط
- الدكتور / اشرف على عبدة : مدرس علم النفس بكلية الآداب جامعه أسيوط
- الدكتورة /رقية عبد الله محمد حردان : مدرس علم الاجتماع بكلية الآداب جامعه أسيوط
- الدكتورة / ايمان عباس عبد النعيم : مدرس علم الاجتماع بكلية الآداب جامعه أسيوط
- الدكتور / احمد محمد عبد الهادى : مدرس علوم سياسية بكلية التجارة بأسيوط جامعه أسيوط
خامسا: حالات الدراسة العينة :
يعد من المهام الصعبة على الباحث أن يقوم بتطبيق دراسته على جميع مفردات المجتمع، ولذا فان الباحث يكتفى بعدد محدود من أفراد المجتمع الأصلي، يتم التعامل معها فى حدود الوقت المتاح له والامكانيات المتوفرة وفق منهج معين شريطة أن تكون هذه العينة ممثلة تمثيلاً صادقا لافراد المجتمع -محل الدراسة – ويتم دراستها ثم تعمم نتائجها على المجتمع بأكمله ([1]).
ولما كانت الدراسة الراهنة تنصب على دراسة أساليب التنشئة الاجتماعية التى تتبعها الأسرة فى تنشئة الأبناء وعلاقتها ببعض المظاهر الانحرافية للابناء فى احدى المناطق العشوائية . كان على الباحث أن يحدد المنطقة – محل الدراسة – والتى تشمل العينة، ولما كان مجتمع البحث – مدينة أسيوط- تشتمل على سبع مناطق عشوائية ([2]) وإن كانت هذه المناطق جميعها تندرج تحت مسمى العشوائيات، إلا أن اغلبها امتدت اليها يد التطوير والاصلاح – فى اعتقاد الباحث – غير أن منطقة عرب المدابغ نظراً لبعض العوامل الطبوغرافية وانحسارها ما بين الجبل الغربى ومقابر أسيوط من الجهة الغربية وترعة الملاح والطريق الدائرى من الجهة الشمالية جعلها منعزلة، مما يعطيها نوع من التفرد، الامر الذى جعل الباحث يركز على دراستها وسيورد ذلك مفصلاً عند التعرض لمجتمع البحث فى المجال الجغرافى .
وعليه فقد حدد الباحث العينة التى ستجرى عليها الدراسة من أولئك الأسر التى تقيم فى المنطقة العشوائية – محل الدراسة – والذين لهم أبناء متسربين من التعليم . أو كانوا مودعين بمؤسسة تربية البنين الأحداث : ويعتمد فيها على منهج دراسة الحالة .
وقد حدد الباحث شروطا لاختيار حالات الدراسة هى :
- روعي أن تكون العينة ممثلة لكافة أشكال الإسكان العشوائي .
- ضرورة تمثيل العينة كافة أشكال الانحراف .
- ضرورة أن تشمل العينة على مختلف شرائح المجتمع .
- روعي ضرورة تواجد الأب حيث أنه يمثل رمز السلطة فى المنزل والمسؤل عن تنشئة الأبناء .
والشروط السابقة تفرض على الباحث كيفية اختياره للعينه،حيث تم اختيارها بطريقة عمدية purposive وذلك باختيار بعض الحالات التى يعتقد أنها تمثل المجتمع فى الجانب الذى تتناولها لدراسة([3]) وعليه فإن الباحث سيجرى دراسته على عينة تم اختيارها بطريقة عمدية من مجتمع البحث واختيار هذه الحالات - العينة وتفضيلاتها - تعد من أهم الخطوات التى يحصل منها على البيانات والمعلومات فى دراسته. وذلك بتوظيفه لهذه الحالات التى وقع اختياره عليها، العينة، بطريقة تفيد البحث، البحث، كما تعد مرجعة وخاصة فى التجمعات السكانية التى اختيرت منها ([4]) .
وقد اختار الباحث عينة دراسته كالتالى:
- بالنسبة للمتسربين من التعليم . من واقع ملفات احصاء التلاميذ بمدرسة الرشاد للتعليم الاساسى بعرب المدابغ ، والتى يبلغ تعداد تلاميذها ما يقرب من ( 750 ) تلميذ وتلميذه، منهم حوالى (500 ) فى المرحلة الابتدائية، وما يقرب من ( 250 ) فى المرحلة الاعدادية وقد اختار الباحث خمس حالات من المتسربين من التعليم من تلاميذ المرحلة الاعدادية والذى يبلغ عددهم ما يقرب من (18) تلميذ وتلميذة وفقاً للشروط السابق ذكرها .
- بالنسبة للمسجلين بمؤسسة تربية البنين . من واقع سجلات الملاحظة بالمؤسسة، تم حصر الحالات المسجلة من أعوام سابقة 1995 وما بعدها من المقيمين بالمنطقة العشوائية – محل الدراسة – والذين انتهت مدة ايداعهم وهم أربع حالات، يضاف اليها حالة ما زالت مودعة بالمؤسسة وبذلك يبلغ عددهم خمس حالات فقط تناولها الباحث بالدراسة .
وعليه فإن إجمالى العينة (عشر حالات ) تشمل أسر الأبناء المتسربين من التعليم، وكذا الأبناء الذين أودعوا بالمؤسسة مع مراعاة أن هؤلاء المودعين بالمؤسسة من مرتكبى أفعالاً انحرافية متباينة من حيث الشكل أو التجريم، وبعد حصرهم ومعرفة عناوينهم بالمنطقة العشوائية – محل الدراسة - التى يقيمون بها، أجريت عليهم الدراسة
سادساً : مجالات الدراسة :
يعد تحديد مجالات الدراسة من الخطوات المنهجية التى لا يمكن إغفالها فى أى دراسة، فمن خلالها يتم التعرف على المنطقة التى أجريت فيها الدراسة، والأفراد المبحوثين – عينة الدراسة – الذين تضمنهم البحث، بالإضافة إلى الفترة الزمنية التى أجريت فيها الدراسة، وقد اتفق كثير من الباحثين والمشتغلين فى مناهج البحث على أن لكل دراسة مجالات رئيسية ثلاثة وهى المجال البشرى والزمنى والجغرافى ([5]) وهى كالتالى فى الدراسة الراهنة :-
1-المجال البشرى :
ويقصد به مجموعة الأفراد أو الجماعات التى ستجرى عليهم الدراسة، وقد تضمنت الدراسة فى مجالها البشرى عينة تتكون من مجموعة من أسر كل من الأبناء المتسربين من التعليم، وكذا مجموعة من أسر الأبناء المرتكبين لأفعال انحرافية من واقع سجلات مؤسسة تربية البنين، وكلاهما من الذين يقيمون بالمناطق العشوائية وأجريت دراسة الحالة عليهم .
2- المجال الزمني :
وهى الفترة الزمنية التى تستغرقها الدراسة الميدانية ومرحلة جمع البيانات من مجتمع البحث وتفريغها، وقد قام الباحث بجمع بياناته من مجتمع البحث من شهر ديسمبر 2000 حتى الانتهاء من كتابة التقرير فى نهاية شهر يونيه 2001
3-المجال الجغرافي :
لكي يتمكن الباحث من النجاح فى مهمته، لابد أن يكون لدية قدر كافٍ من المعرفة عن المجتمع الذى سوف تجرى فيه الدراسة العلمية للتوصل إلى نتائج وتوصيات تساعد فى التخطيط للمجتمع ([6]) . وقد حدد الباحث مدينة أسيوط كمجال جغرافى للدراسة منطلقاَ منها للمنطقة العشوائية – محل الدراسة الراهنة . وفيما يلى سوف يعرض الباحث لمجتمع البحث .
مجتمع البحث
نبذة تاريخية عن مدينة أسيوط
عرفت مدينة أسيوط فى عهد الفراعنة باسم ( سياووت ) وفى عهد البطالمة والرومان اطلق عليها اسم ( ليكوبوليس ) ويعنى هذا الاسم فى تلك الفترة مدينة الذئب ([7]) وتفسير كلمة أسيوط التى ترد إلى(سياووت) فإنها تتكون من مقطعين، يعنى المقطع الأول من هذا الاسم ( س ) الحارس،أما (وات) فتعنى الطريق وبذلك يكون المعنى حارس الطريق ([8]) .وقد استمر اطلاق اسم ( أسيوط ) على المدينة منذ ذلك الوقت حتى وقتنا الحاضر لم يطرأ عليه اى تغيير، غير أن العرب أضافوا اليه حرف الالف فاصبحت باسم أسيوط .
الموقع الجغرافي :
تعد أسيوط بحكم موقعها عاصمة صعيد مصر حيث أنها تتوسط محافظات الوجه القبلي إلى جانب
تواجد بعض المصالح الحكومية بها والتى تخدم مدن محافظات الوجه القبلى ، أما من حيث الموقع فإن مدينة أسيوط - عاصمة المحافظة – تقع على الضفة الغربية لنهر النيل من الناحية الشمالية والشرقية، ويحدها من الشمال محافظة المنيا ومن الجنوب محافظة سوهاج ، وتمر بها دائرة عرض 27ْ شمالاً وخط طول شرقا([9]) . كما تتميز مدينة أسيوط من الناحية الطبيعية بأنها بقعة ضيقة من وادى النيل الذى تكتنفه الصحراء من الجانبين، وقد بنيت المدينة على حضيض الهضبة الغربية على شريط من الارض لا يتعدى عرضه ميل (1.6 كيلومتر) وهو الذى يفصل النهر عن الهضبة، وقد ساعدها موقعها على تحقيق قدر كبير من النمو نظراً لسيطرتها على النهر وتحكمها فى فتح الطريق المائى وإغلاقه، كما أن اكثر الطرق المعروفة إلى وسط افريقيا كانت تنتهى عند ابواب المدينة، حاملة اليها تجارة السودان ([10]) .
ويعد هذا الموقع المتفرد إلى جانب بعض الانشطة الاقتصادية، هذا إلى جانب وجود جامعتى أسيوط وفرع جامعة الازهر بأسيوط، ساعد ذلك فى جعل المدينة هدفاً للهجرة الداخلية من ريف المحافظة، بل ومن مناطق مختلفة على مستوى الجمهورية، ومع ضيق مساحة المدينة نتج عن ذلك ظاهرة التضخم الحضرى والنمو العمرانى .التقسيم الادارى لمدينة أسيوط
تنقسم المدينة إلى قسمين إداريين ، قسم أول( حي غرب ) وقسم ثان ( حى شرق ) يفصل بينهما شريط السكة الحديد . يضم قسم أول ست شيخات فى حين أن قسم ثان يضم شياخة واحدة وهى الشياخة السابعة ويبلغ تعداد السكان لحى غرب ( قسم أول ) حوإلى212201 نسمة، ويبلغ تعداد حى شرق ( قسم ثان ) حوإلى162129 نسمة، بإجمالى تعداد سكان المدينة حوإلى374330 نسمة وذلك وفق تقديرات المحافظة لعام 2000 ([11]) .
محمد شفيق : البحث العلمى ( مرجع سابق : 1998 ) ص 187
([2]) انظر مجتمع البحث من نفس الفصل ص
([3]) عبد الباسط محمد حسن : ( مرجع سابق : 1977 ) ص 461
(1) Frank R.scarpitti Social problems ., 3 rd .N.Y. Hogt Rinehart And Winston, 1980 P.P. 38-639
([5]) محمد شفيق : المبحث العلمى ( مرجع سابق : 1996 ) ص 211
([6]) سناء الخولى : المدخل إلى علم الاجتماع ( مرجع سابق : 1991 ) ص 21
([7]) محمد رمزى : القاموس الجغرافى للبلاد المصرية منذ عهد القدماء المصريين إلى عام 1945 الجزء الرابع ، القسم الثانى ( القاهرة : دار الكتب المصرية ، 1963 ) ص 7
([8]) نفس المرجع السابق : ص 27
([9]) عبد المنعم شوقى : دليل مدينة أسيوط – بحث استطلاعى ( القاهرة : الهيئة العامة لشئون المطابع الاميرية ، 1964 ) ص ص 20-21
([10]) اسماعيل على اسماعيل : المناطق العشوائية بمدينة أسيوط : دراسة جغرافية ، رسالة ماجستير غير منشورة . كلية الآداب . جامعة القاهرة ، 1999 ص 1
([11]) محافظة أسيوط : مركز دعم واتخاذ القرار 3/2001
([12]) الجهاز المركزى للتعبئة العامة والاحصاء . التعداد العام للسكان والاسكان ( سنوات مختلفة ) 26/86/96
بالنسبة لأنماط الإسكان العشوائي لهذه المناطق العشوائية فانها تصنف كالاتى ([5]) :-
· السكن العشوائي الذي أقيم بمدينة أسيوط على أراضي زراعية فى تقسيمات غير معتمدة وبدون ترخيص، وقد انتشر هذا النوع فى الفترة الاخيرة مع تزايد الفجوة بين احتياجات السكان وما يستطيع أن يوفره الإسكان الرسمى الذى تقوم بتشييده الحكومة والقطاعان العام والخاص .
· السكن الجوازى . وهو عبارة عن أماكن ليست معدة اصلاً للسكن لكنها مشغولة بالأسر كاحواش المنازل والمساجد الاماكن الأثرية والعشش الموجودة فى الازقة فى الاماكن الشعبية .
· الغرف المستقلة . تشمل معيشة اسرة كاملة فى غرفة واحدة تمثل جزء من وحدة سكنية وتشترك فى منافعها " كدورة مياه " مع اسرة اخرى وتمارس كافة انشطتها فى نفس الغرفة .
· سكن المقابر ، ويشمل المناطق السكنية المتداخلة مع المقابر ويظهر ذلك فى منطقة الدراسة – عرب المدابغ- غير أنها تختلف عن سكن المقابر الموجود بالقاهرة حيث أن سكان عرب المدابغ يقيمون فى مساكن معدة للسكنى بصفة اساسية إلا أنها تتجاور مع المقابر وتتداخل أحياناً معها نظراً لان عدد غير قليل من سكان تلك المنطقة يقيمون على خدمة المنطقة بمختلف أشكال الخدمات .
سبق وأن أوضح الباحث أن مدينة أسيوط تشمل سبع مناطق عشوائية والدراسة الحالية لا تتطرق لكل تلك المناطق، حيث أن مجال الدراسة الميدانى إحدى المناطق العشوائية لمدينة أسيوط، وعليه قد اختار الباحث منطقة عرب المدابغ لعدة أسباب منها .
· تمثل المنطقة نموذجاً للاحياء العشوائية التى نشأت بعيداً عن كتلة المدينة لارتباطها بحرفة دباغة الجلود .
· تشمل المنطقة معظم أنماط الإسكان العشوائي ومنها الاسكان بجوار المقابر .
· بعد المنطقة عن المناطق الخدمية جعل عملية تطويرها تتم ببطء شديد، إضافة إلى افتقارها للعديد من المرافق والخدمات .
وفيما يلي سيعرض الباحث لمجتمع الدراسة – عرب المدابغ – بشيء من التفصيل :
عرب المدابغ
تقع منطقة عرب المدابغ فى الجنوب الغربى من المدينة، يحدها من الجنوب والغرب مقابر المدينة، ومن الشمال الشرقى الطريق الدائرى الجنوبى الغربى حول المدينة الواصل بين القاهرة وسوهاج، يرجع تاريخ تصنيفها للمناطق العشوائية بالمدينة 1965، وقد ظهر هذا النمط نتيجة لقرارات ادارية نتج عنها تعديل كردون مدينة أسيوط بانضمام بعض القرى إلى النسيج العمرانى للمدينة ومنها عرب المدابغ ([6]). تبلغ المساحة السكنية للحى 13.5 فدان، كما يبلغ عدد المساكن بها 570 سكناً مساحة 100 متر تقريباً للمسكن مضافاً اليه نصيبه من الشوارع والحارات ([7]) ويبلغ تعداد السكان حوإلى5000 نسمة وذلك وفق تقديرات المحافظة لعام 2000 ([8]) ينقسم السكان إلى مجموعات منها العرب وهم أول من سكنوا بالمنطقة ويليهم مجموعات متفرقة نازحة من القرى الموجودة حول المنطقة . كما ان هناك مجموعات من داخل مدينة أسيوط وهم المضارين من الكوارث الطبيعية ويسكنون بمساكن الايواء ([9]) .
تتكون المنطقة من مجموعة من المساكن المتفرقة والعشش التى نشأت بعيداً عن كتلة المدينة السكنية وتخصصها فى حرفة دباغة الجلود التى تتطلب أن تكون خارج المدينة , هذا إلى قيام البعض منهم على خدمة المقابر، ويرجع انخفاض مساحة الحى إلى ضيق الاراضى حيث تنحصر، تلك المنطقة بين الطريق الدائرى وحول مدينة أسيوط من جهة الشمال الشرقى من ناحية، ومقابر أسيوط عند أقدام الهضبة الغربية من جهة الجنوب الغربى من ناحية اخرى، كما أن المقابر تزاحم إقامة المساكن، نظراً لارتفاع أسعار أراضي المقابر عنها بدرجة اكبر، وتاخذ المساكن شكلين هما، الشكل المنظم النسيج، حيث تستقيم المساكن ويتسع عرض الشارع ويتراوح بين 8: 9 أمتار ويتركز هذا الشكل فى شارعين رئيسيين، والشكل الاخر غير المنظم حيث تظهر الحارات والازقة الضيقة والمتعرجة ويعد الشكل الغالب على هذه المساكن هو نمط المساكن الريفية ([10]) .
([1]) محافظة أسيوط : مركز دعم المعلومات واتخاذ القرار 3/ 2001
([2]) نقلا عن
: سيد احمد سالم : السكن العشوائى بمدينة أسيوط – دراسة جغرافية تطبيقية . ( كلية الآداب ببنها ، محلة البحوث المعاصرة ، العدد الأول ، 1997 ) ص 13
([3]) الجهاز المركزى للتعبئة العامة والاحصاء . تعداد محافظة أسيوط 96 ديسمبر 1998
([4]) محافظة أسيوط : مركز دعم المعلومات واتخاذ القرار تقديرات 2000
([5]) اسماعيل على إسماعيل : المناطق العشوائية بمدينة أسيوط " دراسة جغرافية " رسالة ماجستير غير منشورة ، كلية الآداب ، جامعة القاهرة ، 1999 ص 47
([6]) إسماعيل على إسماعيل : ( مرجع سابق :1999 ) ص 347
([7]) سيد احمد سالم : ( مرجع سابق : 95/96 ) ص 334
([8]) محافظة أسيوط : مركز دعم المعلومات واتخاذ القرار : : ديوان عام الحافظة ، تقديرات سكان المناطق العشوائية حتى عام 2000 بيانات غير منشورة
([9]) اعتمد الباحث فى هذه الجزئية على بعض الإخباريين من سكان المنطقة
([10]) انظر سيد احمد سالم ( مرجع سابق 95/96 )ص 334
ومما يساعد على انتشار الامتدادات العشوائية بالمنطقة وجود بعض الانشطة التى تتطلب وجود عمالة مثل الشركات والمصالح الحكومية منها على سبيل المثال مشروع الرصف ومبنى الكهرباء، وشركة استصلاح الاراضى ..الخ . مما كان له الاثر فى جذب البعض للعمل بهذه الانشطة على الرغم من عدم توافر العديد من الخدمات والمرافق . وبالنسبة لأنماط الإسكان العشوائي الموجودة بالمنطقة فهى : ([1])
1- نمط الإسكان المتريف
2- نمط اسكان العشش
3- نمط اسكان الايواء
4- نمط اسكان المقابر ( خدمة المقابر )
ان المفهوم عبارة عن لفظ عام يعبر عن مجموعة متجانسة من الاشياء، وهو عبارة عن تجريد للواقع يسمح للباحث بان يعبر عن الواقع([1]) وفى اطار البحث العلمى يلجا الباحث إلى استخدام العديد من المفاهيم التى تخدم دراسته، والتى وجب عليه تحديدها بدقة إن كانت تحمل أكثر من معنى حتى يتضح المفهوم الذى يقصده الباحث امام القارئ، وهو يطلق عليه المفهوم الاجرائى ويعنى تحويل الافكار المجردة إلى أشياء يمكن قياسها والتعبير عنها بشكل عملى فى الواقع الاجتماعى([2]) . وقد استخدم الباحث فى هذه الدراسة الراهنة العديد من المفاهيم، والتى عرض لها فى مدن الدراسة النظرية ومنها ايضاً ما يتعلق بالدراسة الميدانية وهى :
1- التنشئة الاجتماعية : يقصد الباحث بمفهوم التنشئة الاجتماعية عملية تعلم عن طريقها يكتسب الفرد العادات والتقاليد والقيم والاتجاهات السائدة فى بيئته التى يعيش فيها وتتم من خلال الأساليب التى تراها الأسرة مناسبة لها وتتفق مع الثقافة الفرعية التى تنتمى اليها ([3])
2- الانحراف الاجتماعي : يرتبط هذا المفهوم بمفاهيم الجريمة والجنوح ويقصد به ( كل سلوك مخالف للعادات والتقاليد المتبعة فى جماعة معينة ويصدر عن الافراد غير البالغين ، ويمثل حالة من التصرفات السيئة التى تهدد حياة الجماعة والمجتمع، وتدفع الفرد إلى مأوى الجريمة.([4])
3- المناطق العشوائية :- ويقصد بها التجمعات السكنية التى تقام على اراضى غالباً تكون ملك للدولة أو ملكاً للغير وهى تفتقر إلى التخطيط وتتسم بالتكدس السكانى وندرة المرافق وتدنى المستوى الاقتصادي لسكانها ويغلب على الحياة فيها طابع القسوة والحرمان، الذى يدفع الافراد إلى ارتكاب الافعال الانحرافية ([5])
ثامناً انتماءات الدراسة
إن موضوع الدراسة يفرض على الباحث الطريقة التى سيعالج بها بحثه والمنهج الذى يستخدمه فى سير البحث، فاذا كان الموضوع جديداً لم يطرقه أحد من قبل، وجب على الباحث القيام بدراسة استطلاعية أو كشفية تهدف إلى استطلاع الظروف المحيطة بالظاهرة التى يرغب فى دراستها، أما إذا كان الموضوع محدداً عن طريق بعض الدراسات التى تم أجراءها فى الميدان أمكن القيام بدراسة وصفية تهدف إلى تقرير خصائص الظاهرة وتحديدها تحديداً كيفياً أو كمياً([6]) ولما كانت الدراسة الراهنة تتناول أساليب التنشئة الاجتماعية وعلاقاتها ببعض مظاهر الانحراف الاجتماعى فى المناطق العشوائية فانها تعد من الدراسات الوصفية التى تهدف إلى الحصول على معلومات وبيانات عن مشكلة الدراسة فى مجتمع البحث – أسيوط – خاصة والمجتمع المصرى بصفة عامة .
ومن منطلق أن الدراسة الراهنة تعد من الدراسات البيئية التى تنتمى لأكثر من فرع من فروع علم الاجتماع حيث تنتمى إلى علم الاجتماع العائلى وذلك لتناولها الأسرة والتنشئة الاجتماعية للابناء، وتنتمى لعلم الاجتماع الجنائى وذلك لتناولها للدراسة لموضوع الانحراف الاجتماعى، مظاهره وأسبابه يضاف إلى ذلك ان هذه الدراسة تنضم لعلم الاجتماع الحضرى لتناولها لموضوع من الموضوعات الجديدة لعلم الاجتماع الحضرى – المناطق العشوائية – وبذلك تساهم هذه الدراسة فى احياء وتجديد فروع العلم السابقة . بالاضافة إلى الربط بين الثلاث فروع لعلم الاجتماع
تاسعا الصعوبات التى واجهت الباحث وكيفية التغلب عليها :
لا تخلوا أي دراسة علمية من صعوبات تواجه الباحث سواء فى مرحلة الدراسة النظرية أو فى مرحلة جمع البيانات – الدراسة الميدانية – ولكن الباحث يحاول بشتى الطرق التغلب على تلك الصعوبات، وفى مجال هذه الدراسة الراهنة قد واجهت الباحث صعوبات متعددة وخاصة عند التعرض للدراسة الميدانية :-
1- رفض بعض المبحوثين التعاون مع الباحث أو الإدلاء بأي معلومات تخص الموضوع مما اضطر الباحث إلى اللجوء لأحد الأشخاص ممن لهم تأثير على هذه المنطقة عن طريق أحد المعارف للباحث، حيث مكن الباحث من أجراء المقابلة والتغلب على تلك الصعوبات من خلال تجاوب المبحوثين لَما أنسوا إلى هدف الباحث وأن ذلك لا يؤثر عليهم فى شى من قريب أو بعيد وأيضاً الهدف منه هو أجراء البحث العلمى فحسب .
2- نظراً لحساسية الموضوع واعتقاد المبحوثين بأن أبناءهم ليس هناك أفضل منهم وأنهم لم يخطئوا، أدى ذلك إلى أن تكون إجابات المبحوثين على بعض الاسئلة مختصرة للغاية مما اضطر الباحث إلى طرح السؤال باكثر من طريقة يستطيع من خلالها أن يستبين الإجابات الشافية دونما تأثير على المبحوث .
3- رفض معظم الباحثين التسجيل الصوتى وكذلك رفضهم للتصوير الفوتوغرافى مما اضطر الباحث إلى تدوين المعلومات فى مذكرات وأجراء المقابلة على فترات متعددة حتى يستطيع تدوين كل ما يقال على لسان المبحوث خوفاً من النسيان وعدم الاطالة على المبحوث فى الجلسة الواحدة .
([1]) محمد الجوهرى – عبد الله الخريجى : ( مرجع سابق : 1990) ص 58
([2]) نفس المرجع السابق ص 60
([3]) انظر المفهوم الاجرائى للتنشئة الاجتماعية ص 11
([4]) انظر المفهوم الاجرائى للانحراف الاجتماعي ص 48
([5]) انظر المفهوم الاجرائى للمناطق العشوائية ص95
([6]) عبد الباسط محمد حسن : ( مرجع سابق : 1977 ) ص ص 133 – 134
خاتمة
أجري الباحث دراسته عن أساليب التنشئة الاجتماعية وعلاقتها بالسلوك الانحرافي في إحدى المناطق العشوائية ، وقد تناولت الدراسة في الجزء النظري , العلاقة بين أساليب التنشئة الاجتماعية والسلوك الانحرافي ، كذلك تناولت الدراسة في الجزء الميداني الوقوف علي أساليب التنشئة الاجتماعية المتبعة في المناطق العشوائية وعلاقتها ببعض أنماط السلوك الانحرافي الصادرة من الأبناء في تلك المناطق ، من خلال دراسة الحالة التي أجريت علي عينة من الأسر التي تقيم بالمنطقة – محل الدراسة – ولديهم أبناء متسربين من التعليم أو مودعين بمؤسسة تربية البنين (الأحداث سابقا ) وبذلك تكون الدراسة قد ساهمت في إلقاء الضوء علي إحدى المشكلات الهامة التي تعاني منها المناطق العشوائية وقد توصلت الدراسة إلى عدة نتائج حققت من خلالها أهداف الدراسة ، كما أجابت علي تساؤلات الدراسة ، وفيما يلي سوف يتم العرض لأهم نتائج الدراسة من خلال الآتي .
أولا : من حيث أهم أساليب التنشئة الاجتماعية المتبعة في المنطق العشوائية
ثانياً : من حيث تدريب الأبناء علي الاستقلال والاعتماد علي النفس .
ثالثاً : من حيث مظاهر التفرقة بين الأبناء وعلاقة ذلك بالانحراف .
رابعاً : من حيث العلاقة بين أساليب التنشئة الاجتماعية والسلوك الانحرافي للأبناء .
خامساً : من حيث مدي توافر الاحتياجات الأساسية للأبناء في المناطق العشوائية
أولا : من حيث أهم أساليب التنشئة الاجتماعية المتبعة في المنطق العشوائية
1- أساليب التنشئة الاجتماعية في المناطق التي تتبعها الأسرة في المناطق العشوائية
- كشفت الدراسة أن الغالبية العظمي من سكان المناطق العشوائية تميل إلي الأساليب التقليدية في تنشئة الأبناء والمتمثلة في القسوة والحرمان والإهمال والتدليل ، ويرجع ذلك ، لانخفاض الوعي الثقافي في تلك الأسر وزيادة حجم الأسرة مع تدني المستوي الاقتصادي وانخفاض درجة وعي الوالدين بما قد تحدثه هذه الأساليب في سلوكيات الأبناء من آثار غير سوية ، ويتبين ذلك من الآتي :
أ- أسلوب القسوة :-
- أظهرت الدراسة أن هناك بعض الأسر تتبع في تنشئة الأبناء أساليب تنشئة قاسية مثل التهديد والضرب والطرد من المنزل ، ويرجع ذلك لتدني المستوي الاقتصادي والثقافي والتعليمي لتلك الأسر، يضاف إلي ذلك عدم إدراك هذه الأسر لآثار تلك الأساليب علي شخصيات الأبناء كما أن هذه الأسر تستخدم هذا الأسلوب بغية أن ينشأ الأبناء أقويا قادرين علي تحمل الصعاب وخاصة الذكور . ويتضح ذلك من الحالات ( الأولى والثالثة والسادسة والتاسعة والعاشرة ) وهي تمثل نسبة 50% من عينة الدراسة وعددها عشر حالات، ويتفق ذلك مع إحدى الدراسات التي أجريت في المناطق الهامشية الحضرية عن التنشئة الاجتماعية ([1])
ب- أسلوب الإهمال .
- تبين من الدراسة أن المستوي الاقتصادي المتدني للأسرة بالإضافة إلي زيادة عدد أفراها ، يؤدي إلي عدم مقدرة أرباب الأسر علي الاهتمام والعناية بالأبناء ، ومن ثم إهمالهم وذلك بتركهم دون تشجيع علي السلوكيات المرغوبة ،وأيضاً عدم محاسبتهم علي السلوكيات غير المرغوب فيها ، ويتضح ذلك من الحالات ( الخامسة والتاسعة والعاشرة ) وهي تمثل نسبة 30 % من عينة الدراسة وعددها عشر حالات ، ويتفق ذلك مع دراسة التفكك الأسري وجنوح الأحداث ([2])
ج- أسلوب الحرمان .
- أوضحت الدراسة أن بعض الأسر ممن يقيمون بالمناطق العشوائية تتبع في تنشئة الأبناء أسلوب الحرمان ويتمثل ذلك في حرمانهم من المصروف واللبس وحرمانهم من معظم الاحتياجات الأساسية ، ويرجع ذلك لتدني المستوي الاقتصادي ، مع انخفاض الوعي بآثار تلك الأساليب علي شخصية الأبناء وقد أكد علي ذلك الحالات ( السادسة والرابعة والعاشرة ) وهي تمثل نسبة ث30% من عينة الدراسة وعددها عشر حالات .
د- أسلوب التدليل .
- كشفت الدراسة أن البعض من سكان المناطق العشوائية يميلون إلي أسلوب التدليل في تنشئة الأبناء ويرجع ذلك لارتفاع المستوي الاقتصادي للأسرة ، وتؤكد ذلك الحالة ( الثانية ) وهي تمثل نسبة 10 % عينة الدراسة وعددها عشر حالات .
هـ- أسلوب الإقناع والتوجيه :-
- أظهرت الدراسة أن هناك بعض الأسر التي تقيم في المناطق العشوائية وتفضل أسلوب الإقناع والتوجيه في تنشئة الأبناء ويرجع ذلك لارتفاع المستوي الثقافي والتعليمي للمبحوثين ، وقد يتبين ذلك من الحالات ( الرابعة والسابعة والثامنة ) وتمثل نسبة30% من عينة الدراسة وعددها عشر الحالات .
2- أشكال الثواب والعقاب التي تتبعها الأسرة في المناطق العشوائية :-
أ- أشكال الثواب .
- أوضحت الدراسة أن معظم الأسر التي تقيم في المناطق العشوائية تميل إلي إثابة الأبناء من خلال الرضا المعنوي ، عن الأفعال التي يأتيها الأبناء وتكون سوية من وجهة نظر الأسرة ، وقد أكد ذلك الحالات (الأولى والثانية والثالثة والرابعة و والسادسة والسابعة والثامنة ) وهي تمثل نسبة 70% من عينة الدراسة ، كما أن هناك بعض الأسر تملك القدرة علي شراء بعض الهدايا للأبناء كشكل من أشكال الإثابة ويظهر ذلك من الحالات (الثانية والسادسة والثامنة ) وهي تمثل نسبة 30 % من عينة الدراسة . وعلي الرغم من ذلك هناك بعض الأسر التي لا تقدم أي أشكال الإثابة للأبناء سواء أكانت مادية أم معنوية ، ويرجع ذلك لتدني المستوي الاقتصادي والثقافي لتلك الأسرة وقد جاء ذلك في الحالتين ( التاسعة والعاشرة ) وهما يمثلان نسبة 20 % من عينة الدراسة وعددها عشر حالات .
ب- أشكال العقاب .
- كشفت الدراسة أن الغالبية العظمي من الأسر التي تقيم في المناطق العشوائية تميل إلي استخدام العديد من أشكال العقاب ومنها الزجر والتهديد ، وقد تبين ذلك في الحالات ( الثانية والثالثة والخامسة والسادسة والسابعة والتاسعة ) وهي تمثل نسبة 60% من عينة الدراسة كما أن هناك بعض الأسر تميل إلي الضرب البدني وطرد الابن من المنزل في حالة صدور أفعال غير سوية من الأبناء ، وقد أتضح ذلك من الحالات ( الأولى والثالثة والسادسة والتاسعة والعاشرة ) وهي تمثل 50% من عينة الدراسة . كذلك تتبع بعض الأسر في عقاب الأبناء الشتائم البذيئة وحبس الابن داخل المنزل والتوجيه واللوم . وقد جاء ذلك في الحالات ( الرابعة والخامسة والثامنة ) وهي تمثل 30 % من عينة الدراسة وعددها عشر حالات . وقد اتفقت هذه النتائج مع الدراسة التي أجريت علي منطقة الشرابية والحوتية . حيث أشارت نتائجها إلي أن الطبقة الفقيرة تستخدم العقاب البدني والتهديد والصراخ والسب والشتائم ، والتلفظ بألفاظ خارجية وجارحة .([3])
3- من حيث تدريب العلاقة بين تنشئة الآباء وطريقتهم في تنشئة الأبناء :
- كشفت الدراسة عن وجود علاقة بين الأسلوب الذي نشأ علية الأب وطريقته في تنشئة الأبناء ، حيث اتضح أن معظم أرباب الأسر تسير علي نفس الأساليب التي نشأوا عليها في تنشئة أبنائهم ، ويرجع ذلك إلي الثقافة الفرعية التي تنتقل من السلف إلي الخلف . وقد تبين ذلك فى الحالات ( الأولى والثالثة والرابعة والسادسة والسابعة والثامنة والعاشرة ) وهي تمثل نسبة 30% من عينة الدراسة وعددها عشر حالات . وقد أكدت علي ذلك دراسة عن حجم الأسرة وأثره علي التنشئة الاجتماعية ([4]). كما اتضح من الدراسة أن البعض من أرباب الأسر لم ترغب في تنشئة أبنائها بنفس الأسلوب الذي نشأت عليه ، ويرجع ذلك إما لشعورهم بعدم الرضا عن هذه الأساليب ، أو لإدراكها أنها أصبحت لا تتلاءم مع الحياة المعاصرة . وقد جاء ذلك في الحالتين ( الثانية والتاسعة ) وهما يمثلان 20 % من عينة الدراسة وعددها عشر حالات .
4- من حيث تقليد الأبناء لسلوكيات الآباء .
- كشفت الدراسة أن جميع أفراد العينة – بنسبة 100 % - أكدوا أن الأبناء يقلدونهم في كل ما يصدر عنهم من أقوال وأفعال ، دون النظر لكونها سوية أو غير ذلك ،
- كما أظهرت الدراسة أن الغالبية العظمي من الأسر التي تقييم في المناطق العشوائية لا يبالي الآباء فيها بما يصدر عنهم من أقوال وأفعال أثناء تنشئة الأبناء وجاء ذلك في الحالات ( الأولي والثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة والتاسعة والعاشرة ) وتمثل 80 % من عينة الدراسة ، إلا أن هناك فئة قليلة من الآباء تحرص علي كل الأقوال والأفعال التي تصدر منها أمام الأبناء ، وحرصاً علي عدم تقليد الأبناء لبعض الممارسات التي قد تكون غير سوية . وجاء ذلك في الحالتين(الثانية والثامنة ) وتمثل 20% من عينة الدراسة
- أكدت الدراسة أن غالبية الآباء لا يظهرون أي اهتمام تجاه تقليد أبنائهم لبعض الأنماط السلوكية التي تصدر عنهم ، ويرجع ذلك لتدني المستوي الثقافي والاجتماعي ، لهم وقد جاء ذلك في الحـــالات ( الأولى والثالثة والرابعة والخامسة والتاسعة والعاشرة ) وهي تمثل 60% من عينة الدراسة .
- كما أن هناك بعض الآباء يوجهون أبناؤهم للسلوكيات السوية ويحاسبونهم علي السلوكيات غير السوية التي يقلدونها . وجاء ذلك في الحالات ( الثانية والسادسة والسابعة والثامنة ) وهي 40% من عينة الدراسة وعددها عشر حالات .
ثانياً : من حيث تدريب الأبناء علي الاستقلال والاعتماد علي النفس .
- كشفت الدراسة أن معظم الأسر التي تقيم في المناطق العشوائية لا تدرب أبنائها علي مواقف الاستقلال والاعتماد علي النفس . وذلك كما يلي :-
1- من حيث تدريب الأبناء علي الخروج للشارع بمفردهم .
أ- أوضحت الدراسة أن معظم الأسر التي تقيم في المناطق العشوائية تترك أبنائها يخرجون إلي الشارع ، ولا يعد ذلك من قبيل تدريبهم عل الاستقلال ، إنما يرجع ذلك لضيق المسكن وكثرة عدد أفراد الأسرة وقد تبين ذلك من الحالات ( الأولى والثالثة والرابعة والسادسة والتاسعة ) وهي تمثل نسبة 50 % من عينة الدراسة وعددها عشر حالات .
ب- كما أن هناك بعض الأسر التي لا تدرب أبنائها علي الخروج للشارع بمفردهم . خوفاً عليهم . أو لدفعهم إلي سوق العمل في سن مبكرة وقد اتضح ذلك من الحالات (الثانية والخامسة والسابعة والعاشرة ) وتمثل نسبة 40 % من عينة الدراسة وعددها عشر حالات .
2- من حيث تدريب الأبناء علي النظافة وارتداء الملابس .
أ- بينت الدراسة أن الغالبية العظمي من الأسر التي تقيم في المناطق العشوائية تدرب أبنائها علي النظافة . وقد تبين ذلك من الحالات ( الثانية والثالثة والرابعة والسابعة والثامنة والتاسعة ) وهي تمثل نسبة ست حالات من عينة الدراسة . إلا أن هناك بعض الأسر لا تهتم بنظافة الأبناء ، نظراً لانشغال الزوجة في أمور عديدة كالعمل ، أو قضاء احتياجات المنزل ، أو الجلوس مع نظيراتها للحديث أمام المنزل . وقد اتضح ذلك من الحالات ( الأولى والخامسة والسادسة والعاشرة ) وتمثل نسبة 40% من عينة الدراسة وعددها عشر حالات
ب- أظهرت الدراسة أن معظم الأسر التي تقيم في المناطق العشوائية لا تهتم بتدريب الأبناء علي ارتداء الملابس بأنفسهم ، وان الأم هي التي تقوم بهذه المهمة , وقد اتضح ذلك من الحالات ( الأولى والثانية والثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة والتاسعة والعاشرة ) وهي تمثل نسبة 90% من عينة الدراسة وعددها عشر حالات
3- التدريب علي الاستقلال في مكان النوم .
أ- أوضحت الدراسة أن الغالبية العظمي من الأسر التي تقيم في المناطق العشوائية لا توفر أماكن مستقلة للأبناء ، ويرجع ذلك لزيادة عدد أفراد الأسرة وتدني المستوي الاقتصادي الذي يحول دون توفير المسكن الملائم لكل أفراد الأسرة ، ويظهر ذلك من خلال معيشة كل أفراد الأسرة في حجرة واحدة وقد اتضح ذلك في الحالات ( الأولي والخامسة والسابعة والعاشرة ) وهي تمثل نسبة 40% من عينة الدراسة ، كذلك هناك بعض الأسر التي تتسم بمعيشة الزوجان في حجرة والأولاد في حجرة أخري ويوضح ذلك الحالة ( الثالثة ) وتمثل نسبة 10 % من عينة الدراسة ، كما أن هناك بعض الأسر التي توفر حجرة للذكور وأخري للإناث ، ويظهر ذلك في الحالات ( الرابعة والسادسة والثامنة والتاسعة ) وتمثل نسبة 40 % من عينة الدراسة وعددها عشر حالات .
ب- كشفت الدراسة أن معظم الأسر التي تعيش في المناطق العشوائية تفتقر إلى الخصوصية في كل شئ ، وقد تبين ذلك من الحالات ( الأولي والثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة والثامنة والتاسعة والعاشرة ) وتمثل نسبة 90% من عينة الدراسة وعددها عشر حالات .
4- من حيث أخذ رأي الأبناء فيما يتعلق بأمورهم الشخصية : -
أ- أوضحت الدراسة أن معظم الأسر التي تقيم في المناطق العشوائية تتجاهل رأي الأبناء فيما يخصهم ، ويرجع ذلك إلي ضعف المستوي الاقتصادي والثقافي والتعليمي للأسر ويتضح ذلك من الحــالات ( الأولي والثانية والثالثة والرابعة والخامسة والسابعة والعاشرة ) وهي تمثل نسبة 70 % من عينة الدراسة . إلا أن هناك فئة قليلة من الأسر تأخذ رأي الأبناء عند شراء متطلباتهم ويظهر ذلك في الحالات ( السادسة والثامنة والتاسعة ) وهي تمثل نسبة 30% من عينة الدراسة وعددها عشر حالات
5- من حيث تدريب الأبناء علي شراء ما يخصهم : -
- كشفت الدراسة أن معظم الأسر التي تقيم في المناطق العشوائية تدرب أبنائها علي عملية الشراء من خلال شراء بعض متطلبات الأسرة البسيطة أو شراء مستلزمات الدراسة ، وقد اتضح ذلك من الحالات ( الثانية والخامسة والسادسة والثامنة والتاسعة والعاشرة ) وتمثل نسبة 60% من عينة الدراسة . إلا أن هناك بعض الأسر التي لا تدرب أبنائها علي عمليات الشراء خوفاً علي الأبناء من عمليات النصب أو ضياع النقود في أشياء غير هامة ، ويظهر ذلك من الحالات ( الأولي والثالثة والرابعة والسابعة ) وتمثل نسبة 40% من عينة الدراسة وعددها عشر حالات ،
ثالثاً :من حيث التفرقة بين الأبناء وعلاقة ذلك بالانحراف :
- كشفت الدراسة أن التفرقة في المعاملة بين الأبناء تؤدي إلى صدور العديد من الأنماط الانحرافية الصادرة منهم .
- أكدت الدراسة أن الغالبية العظمي من الأسر التي تقيم في المناطق العشوائية تفرق بين الأبناء في المعاملة ، كتفضيل الذكور علي الإناث أو تفضيل الإناث علي الذكور ، أو التفرقة بين أفراد الجنس الواحد ، وتتم التفرقة في الغذاء والكساء والإشباع العاطفي وشراء الهدايا وتبين ذلك من خلال الأتي
1- من حيث التفرقة بين الذكور والإناث
أ- من حيث تفضيل الذكور علي الإناث
- أوضحت الدراسة أن معظم الأسر التي تقيم في المناطق العشوائية تفضل الذكور علي الإناث ، علي اعتبار أن الذكور يمثلون مصدر أمن وحماية للأسرة ، يضاف إلى ذلك قدرتهم علي المشاركة في اقتصاديات الأسرة ، واتضح ذلك من الحالات ( الأولي والثالثة والسادسة والسابعة والعاشرة ) وهي تمثل نسبة 50 % من عينة الدراسة وعددها عشر حالات
ب- ومن حيث تفضيل الإناث علي الذكور
- كشفت الدراسة أن بعض الأسر تفضل الإناث علي الذكور ، ولا يعد ذلك كرهاً في إنجاب الذكور وإنما يرجع ذلك إلي أن الإناث أكثر طاعة للأسرة ، وقد تبين ذلك من الحالات ( الثانية والرابعة والخامسة ) وهي تمثل نسبة 30 % من عينة الدراسة وعددها عشر حالات
ج - وعن أشكال التفرقة بين الذكور والإناث
- فقد أظهرت الدراسة أن الغالبية العظمي من الأسر تفرق بين الذكور والإناث في الاحتياجات الأساسية لكل منهما ، يضاف إلى ذلك التفرقة في الإشباع العاطفي ، وشراء الهدايا ، وقد أتضح ذلك من الحالات ( الأولي والثانية الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة والعاشرة ) وهي تمثل نسبة 80 % من عينة الدراسة وعددها عشر حالات
2- من حيث التفرقة بين أفراد الجنس الواحد
- أوضحت الدراسة أن معظم الأسر التي تقيم في المناطق العشوائية تفرق في المعاملة بين أفراد الجنس الواحد ، سواء بين الذكور أو بين الإناث علي أساس القدرة علي المشاركة في مسئوليات الأسرة أو تميز فرد في أحد المجالات عن باقي الأبناء ، وقد تبين ذلك من الحالات ( الأولي والثانية والثالثة والسادسة والثامنة ) وتمثل نسبة 50 % من عينة الدراسة وعددها عشر حالات
3- التفرقة في أساليب الثواب والعقاب
- كشفت الدراسة أن معظم الأسر التي تقيم في المناطق العشوائية تفرق بين الأبناء في أساليب الثواب والعقاب ، وقد اتضح ذلك من الحالات ( الأولي والثانية والثالثة والسادسة والثامنة ) وهي تمثل نسبة 50 % من عينة الدراسة وعددها عشر حالات
4- من حيث العلاقة بين التفرقة في المعاملة وانحراف الأبناء
- لأسلوب التفرقة بين الأبناء في المعاملة تأثير سيئ علي شخصيات الأبناء إذ يؤدي إلي أن تنمو شخصيتهم ضعيفة ، وقد أوضحت الدراسة أن التفرقة في المعاملة بين الأبناء تؤدي إلى تعرض الأبناء للعديد من السلوكيات المنحرفة كالمشجرات والاعتداء علي الأخوة والزملاء ، وقد تبين ذلك من الحالات ( الأولي والثانية والثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والثامنة ) وهي تمثل نسبة 70 % من عينة الدراسة وعددها عشر حالات
رابعا : من حيث العلاقة بين أساليب التنشئة الاجتماعية وبعض السلوكيات المنحرفة التى
تصدر عن الأبناء:
- كشفت الداسة أن هناك علاقة بين أتباع الأسرة لأساليب التنشئة الخاطئة وتعرض بعض الأبناء للعديد من مظاهر السلوك الانحرافي .
1- من حيث تأثير أساليب التنشئة الاجتماعية علي انحراف الأبناء
أ- أوضحت الدراسة أن هناك بعض الأسر تميل إلى استخدام أسلوب القسوة في تنشئة الأبناء ، من خلال التهديد والشتائم البذيئة والضرب البدني والطرد من المنزل ، وكل ما يؤدي إلي إثارة الآلام الجسمية والنفسية للأبناء ولهذه الأساليب أثارها السيئة عليهم ، ويتمثل ذلك في رد الفعل الصادر من الأبناء تجاه أفراد الأسرة والآخرين ، وقد تبين ذلك من الحالات( الأولي والثالثة والسادسة والتاسعة والعاشرة ) وهي تمثل نسبة 50 % من عينة الدراسة وعددها عشر حالات
ب- كذلك كشفت الدراسة أن هناك بعض الأسر التي تتبع أسلوب الحرمان في تنشئة الأبناء ، ويرجع ذلك لتدني المستوي الاقتصادي للأسرة ويتمثل الحرمان في عدم إشباع الاحتياجات السياسية للأبناء ويودي ذلك إلي العديد من الاضطرابات في شخصية الأبناء والتي تظهر في صورة أفعال انحرافية كالسرقة والاعتداء علي الآخرين أو الهروب من المدرسة ، وقد اتضح ذلك من الحالات ( الرابعة الثالثة والعاشرة ) وهي تمثل نسبة 30 % من عينة الدراسة وعددها عشر حالات
ج- تدفع الظروف الاقتصادية المرتفعة ، يضاف إلى ذلك تعرض بعض الأباء لأساليب تنشئة قاسية من قبل والديهم ، إلى استخدام أسلوب التدليل في تنشئة الأبناء ويترتب علية أن تنمو شخصيات الأبناء ضعيفة لا تستطيع أن تعتمد علي نفسها ، ولا تقوي علي تحمل المسئولية ، وقد اتضـح ذلك من الحالة ( الثانية ) وتمثل نسبة 10 % من عينة الدراسة وعددها عشر حالات
د- كشفت الدراسة أن الغالبية العظمي من الأسر تميل إلى اتباع أسلوب الإهمال في تنشئة الأبناء ، من خلال عد م متابعة الأبناء أو عدم التدخل في اختيارهم لأصدقائهم سواء بالرقابة أو التوجيه ويؤدي ذلك إلي تعرض الأبناء للانحراف ، وقد تبين ذلك من الحالات ( الأولي والثانية والرابعة والخامسة والسابعة والتاسعة والعاشر ة ) وهي تمثل نسبة 70 % من عينة الدراسة وعددها عشر ، وأكدت علي ذلك دراسة التفكك الأسري وجنوح الأحداث ([5])
2- من حيث عدم اتفاق الولدين علي أسلوب التنشئة وانحراف بعض الأبناء
- أوضحت الدراسة أن الغالبية العظمي من الأسر لا تتفق علي أسلوب معين في تنشئة الأبناء ، كإثابة الأبناء من قبل الأم وعقابهم من قبل الأب في ذات الموقف ، أو تعرض الأبناء للقسوة من جانب الأب وتدليله لهم دون توجيه أو تصحيح الخطأ في نفس الموقف ، فأن ذلك يؤدي إلي أن تنمو شخصيات الأبناء غير متوافقة اجتماعياً ، وتعرضهم للعديد من مظاهر الانحراف كالفشل الدراسي وارتكاب أفعال انحرافية يعاقب عليها القانون ، وقد اتضح ذلك من الحالات ( الأولي والثانية والثالثة والرابعة والسادسة والتاسعة والعاشرة ) وهي تمثل نسبة 70% من عينة الدراسة وعددها عشر
3- من حيث تشجيع الأسرة للأبناء الاعتداء علي الآخرين
أ- بينت الدراسة أن البعض من الأسر التي تقيم في المناطق العشوائية تشجع أبنائها علي الاعتداء علي الآخرين علي اعتبار ذلك وسيلة للدفاع عن النفس ، يضاف إلى ذلك ملاءمته للذكور وللبيئة التي يعيشون فيها ، ولكي تغرس الأسرة في الأبناء تلك الملامح التي تود أن تراها في شخصيتهم تستخدم في تنشئتهم الخشونة ، والتشجيع علي السلوك العدواني وخاصة الذكور ، وقد تبين ذلك من أربع حالات هي ( الأولي والثالثة والتاسعة والعاشرة ) وهي تمثل نسبة 40% من عينة الدراسة وعددها عشر .
ب- إلا أن الدراسة كشفت أيضا أن الغالبية العظمي من الأسر التى تقيم في المناطق العشوائية لا، تشجع أبنائها على الاعتداء على الآخرين رغبة في عدم الدخول في مشكلات وخوفاً على الأبناء ،وقد جاء ذلك في الحالات (الثانية والرابعة والسادسة والسابعة والثامنة ) وهى تمثل نسبة 60% من عينة الدراسة وعددها عشر حالات.
4-من حيث طموحات الآباء الزائدة وتأثيرها علي مستقبل الأبناء
- كشفت الدراسة أن التعليم كان رغبة أساسية لبعض الآباء المقيمين في المناطق العشوائية غير انهم لم يوفقوا في ذلك ، ولذا تحولت رغبتهم في التعليم إلى الحرص علي تعليم أبنائهم ، متبعين معهم العديد من الأساليب الخاطئة التي أدت إلى فشل الأبناء في الدراسة ، وقد جاء ذلك في الحالات ( الثانية والثالثة والخامسة والثامنة ) وهي تمثل نسبة 40 % من عينة الدراسة وعددها عشر حالات.
- كما أوضحت الدراسة أن رغبة بعض الآباء في تحسين الحالة الاقتصادية للأسرة جعلتهم يدفعون بالأبناء الصغار إلى سوق العمل مبكراً ، الذي لا يتناسب مع رغباتهم وقدراتهم الجسدية ، وقد أدي ذلك إلى تعرضهم لتجارب تفوق قدراتهم السنية ، يضاف إلى ذلك ترسيخ بعض القيم السلوكية المنحرفة لديهم ، وجاء ذلك في الحالات ( الأولي والسادسة والعاشرة ) وهي تمثل 30% من عينة الدراسة وعددها عشر.
- أظهرت الدراسة أن رغبة الأسرة في العيش في أمان واستقرار اجتماعي تبؤ بالفشل عندما يهمل الوالدين تنشئة الأبناء ، حيث يدفعهم ذلك – الإهمال- إلى الدخول في مشكلات مع الآخرين ، وقد جاء ذلك في الحالتين ( الرابعة والسابعة) وهما يمثلان نسبة 20% من عينة الدراسة وعددها عشر حالات
- كما تبين من الدراسة أن بعض الأسر التي تقيم في المناطق العشوائية ترغب في ترك المنطقة والدخول في قلب المدينة رغبة في العيش في مناخ اجتماعي افضل ، ولذا يرغب الآباء في أن يحقق الأبناء ذلك ، وقد جاء ذلك في حالة واحدة وهي تمثل نسبة 10% من عينة الدراسة وعددها عشر
5- من حيث أشكال الانحراف التي تصدر عن الأبناء المقيمين في المناطق العشوائية
- كشفت الدراسة أن أشكال الانحراف التي تصدر عن الأبناء المقيمين في المناطق العشوائية والتي وردت علي لسان المبحوثين من خلال تقارير دراسة الحالة وهي علي الترتيب كما يلي :
أ- المشاجرات وجاءت في المرتبة الأولى
ب- السرقة وجاءت في المرتبة الأولي
ج- التسول وجاءت في المرتبة الثانية
د – الشتائم البذيئة جاءت في المرتبة الثالثة
هـ المعاكسات جاءت في المرتبة الثالثة ايضاً
و- الهروب من المدرسة وجاءت في المرتبة الثالثة ايضاً
ز- التدخين والمخدرات والجنسية المثلية وجاءت في المرتبة الرابعة
ص- الهروب من المنزل وجاءت في المرتبة الخامسة
خامساً : من حيث توافر الاحتياجات الأساسية للأبناء في المناطق العشوائية
1- من توافر احتياجات الأبناء داخل الأسرة من إذا وكساء وعلاج
- كشفت الدراسة أن الغالبية العظمي من الأسر التي تقيم في المناطق العشوائية توفر احتياجات الأبناء من الغذاء والكساء والعلاج ولكن ليس بالقدر الكافي الذي يفي باحتياجات الجسم
أ- من حيث توافر الغذاء المناسب
- أوضحت الدراسة أن معظم الأسر توفر للأبناء الغذاء إلا أنه يفتقر إلى العديد من المقومات الأساسية اللازمة لبناء الجسم ويتضح ذلك من الحالات ( الثالثة والرابعة والسادسة والسابعة والثامنة ) وهي تمثل 50 % من عينة الدراسة وعددها عشر حالات ، كما أن هناك بعض الأسر التي لا تستطيع توفير الغذاء المناسب للأبناء ، حيث يعيش الأبناء علي أغذية تقليدية لا تتغير إلا نادرا ، ويؤكد ذلك الحالات ( الأولي والخامسة والتاسعة والعاشرة ) وهي تمثل 40 % من عينة الدراسة وعددها عشر حالات.
- وعن نوعية الغذاء المتوافر في المناطق العشوائية فقد تبين من الدراسة أن الأسرة تعتمد علي أغذية لا تفي باحتياجات الجسم الأساسية وغالباً ما تكون متوفرة داخل المنزل مثل الجبن والسمن والبقوليات ويتضح ذلك من الحالات ( الأولي والرابعة والخامسة والسابعة والثامنة والتاسعة والعاشرة ) وتمثل نسبة 70% من عينة الدراسة وعددها عشر حالات .
ب- من حيث توافر الكساء المناسب للأبناء داخل الأسرة :
- أظهرت الدراسة أن معظم الأسر التي تقيم في المناطق توفر للأبناء الملابس ، إلا أن هذه الملابس لا تأتي إلا في الأعياد والمناسبات وهي ملابس رثة يرثها الصغير عن الكبير ويتضح ذلك من الحــالات ( الثانية والثالثة والرابعة والسادسة والسابعة والثامنة ) وهي تمثل نسبة 60 % من عينة الدراسة وعددها عشر حالات ، كما أن هناك بعض الأسر التي لا تستطيع شراء ملابس جديدة لأبنائها لتدني مستواها الاقتصادي ، وجاء ذلك في الحالات ( الأولي والتاسعة العاشرة ) وهي تمثل نسبة 30 % من عينة الدراسة وعددها عشر حالات .
ج- من حيث توافر العلاج المناسب .
- كشفت الدراسة انه بالرغم من أن بعض الأسر لا زالت تتعامل بالطرق التقليدية في علاج الأبناء في حالة تعرضهم لبعض الأمراض ، وتوضح ذلك الحالات ( الأولي والخامسة والعاشرة ) وتمثل نسبة 30 % من عينة الدراسة وعددها عشر حالات ، إلا أن الغالبية العظمي من الأسر التي تقيم في المناطق العشوائية تدرك أهمية الاستعانة بالطب الرسمي من خلال الذهاب للوحدة الصحية أو لأحد الأطباء لتوقيع الكشف الطبي علي الأبناء في حالة مرضهم وقد اتضح ذلك من الحالات ( الثانية والثالثة والسادسة والثامنة والتاسعة ) وهي تمثل نسبة 50 % من عينة الدراسة وعددها عشر حالات
2- من حيث توافر احتياجات الأبناء خارج الأسرة :
- كشفت الدراسة أن بعض المناطق العشوائية تفتقر إلى العديد من الخدمات كالحاجة إلى المؤسسات الثقافية والترفيهية ، كما إنها بحاجة إلى المزيد من المدرس للحد من الأمية .
أ- مدي توافر المؤسسات التعليمية :
- تبذل الدولة جهوداً ضخمة للحد من الأمية والاهتمام بالرعاية التعليمية للأبناء ، ويتأتى ذلك من خلال إقامة العديد من المدارس الجديدة في شتي أنحاء الجمهورية ومنها المناطق العشوائية ، وقد أوضحت الدراسة أن جميع الحالات وعددهم (عشر حالات ) بسبة 100 % أكدوا أن المنطقة بها مدرسة تعمل ابتدائي واعدادي كما إنها تشمل روضة أطفال وهي تكفي أبناء المنطقة .
ب- من حيث توافر المؤسسات الثقافية:
- مازالت تفتقر العديد من المناطق العشوائية إلى المؤسسات الثقافية من قصور ثقافة ومكتبات وصحف وقد أكد علي ذلك جميع حالات الدراسة ( وعددهم عشر حالات ) بنسبة 100 % من أن المنطقة تفتقر إلى المؤسسات الثقافية .
ج- من حيث توافر المؤسسات الترفيهية :
- رغم الجهود التي تبذلها الدولة في تطوير وتحديث المناطق العشوائية ،إلا أن هناك العديد من هذه المناطق لم يصبها أي تطوير أوتحديث تفتقر إلى المؤسسات الترفيهية التي تقي الأبناء من الشوارع من خلال شغل وقت فراغ الأبناء بشئ مفيد ، وقد اتضح من الدراسة أن جميع الحالات ( وعددهم عشر حالات ) بنسبة 100 % أكدوا أن المنطقة لا يوجد بها أي أنواع الترفيه وقد أكدت علي ذلك دراسة التنشئة الاجتماعية في المناطق الهامشية الحضرية (.[6] )
التوصيات
أجريت الدراسة علي مشكلة أساليب التنشئة وعلاقتها بالسلوك الانحرافي في المناطق العشوائية ، ولما كانت المناطق العشوائية تمثل خليطاً من شرائح اجتماعية مختلفة في المستوي لاقتصادي والاجتماعي والثقافي والتعليمي لكل منها ، فان ذلك يتبعه اختلاف في أساليب التنشئة الاجتماعية المتبعة في تنشئة الأبناء ، ولما كانت المناطق العشوائية بقطنها معظم الطبقات الدنيا – في اعتقاد الباحث _ يضاف إلى ذلك اتسامها – المناطق العشوائية - بالتدني العام ، لذا تتفق أساليب التنشئة الاجتماعية مع هذا التدني ، فهي تفتقر إلى أساليب القويمة أو الرعاية المتكاملة حيث تتصف بالإهمال وعدم الاهتمام بترسيخ بعض القيم الإيجابية ، نتيجة انخفاض الوعي بهذه الأساليب
وعليه فان السلوكيات المنحرفة التي تصدر عن بعض الأبناء تعد نتاج للقصور في التنشئة السوية للأبناء ، إلى جانب الظروف المعيشية القاسية التي يعاني منها معظم سكان المنطق العشوائية وقد أوضحت الدراسة الراهنة أن هناك علاقة بين أساليب التنشئة الاجتماعية والسلوكيات المنحرفة التي تصدر عن الأبناء ، ومن خلال ما توصل إلية الباحث من نتائج لهذه الدراسة والتي يمكن اعتبارها تجسيد لواقع حال المجتمع ، أمكن وضع بعض التوصيات أمام المسئولين والقائمين علي رسم السياسة الاجتماعية في المجتمع وترجمتها في الواقع الفعلي ، وهذه التوصيات تتمثل في شكلين هما :
1- التوصيات المجتمعية
2- التوصيات العلمية .
وفيما يلي سوف يعرض الباحث لهم بشيء من التفصيل .
1- التوصيات المجتمعية :
أجريت الدراسة الراهنة في إحدى المنطق العشوائية بمدينة أسيوط وهذه المنطقة لها خصائص وسمات تميزها عن باقي المناطق العشوائية الأخرى ولذا يري الباحث تقسيم التوصيات المجتمعية إلى الآتي :
أ- التوصيات الخاصة بمنطقة الدراسة .
ب- التوصيات المجتمعية العامة .
أ- التوصيات الخاصة بمنطقة الدراسة :
- توفير المرافق لتلك المنطقة فهناك نسبة كبيرة من المنازل لم تدخلها المياه حتى الآن يضاف إلى ذلك تلوث المياه في النسبة الموجودة ، لذا يرجي الاهتمام بتوفير المياه النقية لكل سكان المنطقة وايضاً العمل علي إنارة جميع المنازل لتوصيل الكهرباء لباقي المنطقة
- افتقار المنطقة كلية لمرفق الصرف الصحي ، علي الرغم من أن المنطقة تعوم علي بركة من المياه الجوفية الناتجة عن الطرنشات الموجود بالمنازل وكذلك سكب المياه في الشوارع مما يعرض المنازل للتصدع والهدم لذلك لابد من توصيلها بمرفق الصرف الصحي خاصة وان المنطقة قريبة من محطة الصرف الصحي
- افتقار المنطقة إلى الأمن والطمأنينة إذ لا يوجد بها نقطة شرطة أو نقطة إطفاء ، خاصة وان المنطقة بها المقابر التي قد تأوي الهاربين والمجرمين وغيرهم من المسجلين خطر ، مما يعرض أهالي المنطقة للعديد من الأخطار ، كذلك يؤدي عدم وجود نقطة إطفاء إلى حدوث الكثير من الخسائر عند حدوث حرائق حيث أن أسطح المنازل تغطي بكميات كبيرة من القش والبوص ومخلفات الحيوانات ، وكلها قابلة للاشتعال السريع لذلك لابد من وجود نقطة شرطة ونقطة إطفاء حريق
- إعفاء بعض من تلاميذ المدرسة الموجودة بالمنطقة من الرسوم المدرسية ، خاصة ذوي الدخول المتدنية أصحاب المهن الهامشية ، حيث قرر اكثر من شخص انهم لم يلحقوا أبنائهم بالمدرسة نتيجة عدم قدرة الأسرة علي دفع الرسوم المدرسية
- نظرا لبعد المنطقة عن مدينة أسيوط فأنها بحاجة لمستشفي مجهزة لاستقبال جميع حالات الطوارئ ، حيث أن الوحدة الصحية الموجودة بالمنطقة لا تفي بكل الأغراض العلاجية كما ذكر ذلك أهالي المنطقة
- ب- التوصيات المجتمعية العامة
- لابد أن يكون هناك استراتيجية شاملة لرعاية الأبناء في المجتمع ، من خلال رسم السياسات الاجتماعية التي تحدد مسار عملية التنشئة الاجتماعية بحيث تضمن تحقيق العدالة الاجتماعية بين كافة شرائح المجتمع
- تبصير الأسرة في المناطق العشوائية بأفضل الأساليب التربوية في معاملة الأبناء وتوجيههم وإرشادهم ، وفقاً للظروف الاجتماعية التي يعيشون فيها والتي تتناسب مع البيئة عن طريق الندوات الإرشادية التي تقام لهم في مقار أقامتهم
- تحسين الظروف المعيشية للأسر ذات الدخل المتدني ، إلى الحد الذي يمكنها من توفير احتياجات أفراد الأسرة وايضاً توفير فرص عمل مناسبة للأبناء الذين تسربوا من التعليم ، تتفق مع سنهم وميولهم التي يرغبون فيها باجر مناسب يضمن حياة كريمة لهولاء الأبناء ويقيهم طريق الانحراف
- لابد من إحداث تغيرات في مناهج تربية الأبناء ، بحث يتم التأكيد علي ضرورة أن تتركز السلطة في يد الوالدين وعدم تركيزها في الزوج بمفرده أو الزوجة بمفردها ، حتي يمكن اتخاذ افضل القرارات داخل الأسرة
- إبراز دور الأسرة في تنشئة الأبناء وتعريفها بأساليب التنشئة السوية التي يجب اتباعها وكذا أساليب التنشئة غير السوية التي يجب الابتعاد عنها وذلك عن طريق وسائل الأعلام المسموعة والمرئية
- العمل علي توفير الخدمات الثقافية والترويحية داخل المناطق العشوائية خاصة وأنها تفتقر إليها كلية ، وذلك عن طريق إقامة الحدائق والنوادي والمكتبات وقصور الثقافة ، حتى تجذب انتباه الأبناء بدلاً من الشوارع التي تعدهم للانحراف
- لابد وأن يكون لمختلف الوزارات دور في النهوض والارتقاء بالمناطق العشوائية في كافة المجالات الصحية والثقافية التعليمية والترفيهية والأمنية ، وخاصة وزارة الشئون الاجتماعية ووزارة الصحة
2- التوصيات العلمية
لا تقتصر أي دراسة علمية علي ما توصلت إلية من نتائج علمية وإنما تتعداها إلى الكشف عن العديد من المشكلات الأخرى التي تحتاج إلى الدراسة ، وتفتح المجال أمام الباحثين لدراستها ووضع الحلول المناسبة لها ، وفي هذه الدراسة سعي الباحث إلى الإجابة علي تساؤلاتها التي تدور حول أساليب التنشية الاجتماعية وعلاقتها بالسلوك الانحرافي في المناطق العشوائية ، وبذلك تكون الدراسة قد تطرقت لثلاث موضوعات غاية في الأهمية أولها : التنشئة الاجتماعية التي ترتكز عليها الدعائم الأساسية لشخصية الأبناء ، ثانياً : السلوك الانحرافي وخاصة انحراف الأبناء وهو ما يشغل ذهن رجال التعليم والباحثين في محاولة للوصول إلى وضع الحلول للقضاء علي تلك المشكلة وثالثها :المناطق العشوائية والتي أفرزت العديد من المشاكل في الآونة الأخيرة ومنها أولاد الشوارع ، وبذلك تكون الدراسة قد ربطت بين ثلاث موضوعات غاية في الأهمية ، كما أنه في ضوء النتائج التي توصلت إليها الدراسة يوصي الباحث بإجراء بعض البحوث والدراسة التي تثيرها الدراسة ومنها :
- إجراء دراسات مماثلة في المنطق العشوائية تدور حول أساليب التنشئة الاجتماعية التي تستخدمها الأسرة في تنشئة الأبناء في سن اقل من سنة حتى ثلاث سنوات وتشمل أساليب الرضاعة والفطام والتدريب علي ضبط الإخراج
- وفي ضوء الاهتمام العالمي والمحلي بالمرأة وقضاياها ، يجب أن تجري دراسات عن وضع المرأة داخل المناطق العشوائية للوقوف علي دورها في خدمة المجتمع وعلاقتها بالزوج والأبناء في تلك المناطق العشوائية
- ومن منطلق أن المناطق العشوائية تتسم بأن معظم قاطنيها من الطبقات الدنيا ذوي الدخول المنخفضة وايضاً انتشار العديد من الانحرافات داخل تلك المناطق لذا يجب إجراء دراسة عن الفقر وعلاقته بالانحراف في المناطق العشوائية – دراسة مقارنة بين أسر عشوائية وأسر غير عشوائية
- إجراء دراسات عن التنشئة الاجتماعية والعولمة ، لمعرفة هل تؤثرالعولمة علي أساليب التنشئة الاجتماعية التي تتبعها الأسرة
([2]) عبيد شبيب العجمي : التفكك الأسري وجنح لأحداث في المجتمع الكويتي – رسالة دكتوراه ، كلية الآداب جامعة
المنيا 1990
([3]) علا مصطفي وآخرون : مصدر سابق ص ص 169 - 171
([4]) محمود محمد الضمراني : مصدر سابق ص 345
([5]) عبيد شديد العجمي : مصدر سابق
([6] ) محمد عباس : مصدر سابق ص 316
يمكن وصف عملية التنشئة الاجتماعية بأنها العملية التي تتشكل فيها معايير الفرد ومهاراته ودوافعه واتجاهاته وسلوكه لكي تتوافق مع تلك التي يعتبرها المجتمع مرغوبة ومستحسنه لدورة الراهن أو المستقبل في المجتمع.
والدكتور سعدالدين ابراهيم يعرفها بأنها العملية المجتمعية التي يتم خلالها تشكيل وعي الفرد ومشاعره وسلوكه وعلاقاته بحيث يصبح عضواً فاعلاً ومتفاعلاً ومنسجماً ومنتجاً في المجتمع.
أما الدكتور حامد زهران فيعرفها بأنها عملية تعليم وتعلم وتربية، تقوم على التفاعل الاجتماعي وتهدف الى اكتساب الفرد طفلاً فراشداً شيخاً سلوكاً ومعايير واتجاهات مناسبة لأدوار اجتماعية معينة، تمكنه من مسايرة جماعته والتوافق الاجتماعي معها وتكسبه الطابع الاجتماعي وتيسر له الاندماج في الحياة الاجتماعية. اذ انها عملية تشكيل السلوك الاجتماعي للفرد وهي عملية إدخال ثقافة المجتمع في بناء الشخصية.
خصــــائص التنشئـــــــة :
من أهم خصائص التنشئة الاجتماعية انها عملية اجتماعية قائمة على التفاعل المتبادل بينها وبين مكونات البناء الاجتماعي كما إنها عملية نسبية تختلف باختلاف الزمان والمكان وكذلك باختلاف الطبقات الاجتماعية داخل المجتمع الواحد وما تعكسه كل طبقة من ثقافة فرعية، كما إنها تختلف من بناء اجتماعي واقتصادي لآخر وتمتاز بأنها عملية مستمرة حيث ان المشاركة المستمرة في مواقف جديدة تتطلب تنشئة مستمرة يقوم بها الفرد بنفسه ولنفسه حتى يتمكن من مقابلة المتطلبات الجديدة للتفاعل وعملياته الني لا نهاية لها.
كما انها عملية إنسانية واجتماعية حيث يكتسب الفرد من خلالها طبيعته الإنسانية التي لا تولد معه ولكنها تنمو من خلال الموقف عندما يشارك الآخرين تجارب الحياة. فهي تهدف الى تحويل ذلك الطفل الى عضواً فاعلاً قادراً على القيام بأدواره الاجتماعية متمثلاً للمعايير والقيم والتوجهات. وهناك كثير من الجماعات والمؤسسات التي تلعب دوراً رئيسياً في عملية التنشئة – الأسرة- المدرسة- جماعة الرفاق- أماكن العبادة – النوادي ووسائل الأعلام والوسائط الثقافية المسموعة والمكتوبة والمرئية كلها وسائط حتمية ومفروضة لعملية التنشئة حيث تتداخل لتؤطر الطفل وتوجه حياته وتشكلها في مراحلها المبكرة وعلى الرغم من اختلاف تلك المؤسسات في أدوارها الا انها تشترك جميعاً في تشكيل قيم الطفل ومعتقداته وسلوكه بحيث ينحو نحو النمط المرغوب فيه دينياً وخلقياً واجتماعياً. ان هذه المؤسسات لا يقتصر دورها على المراحل المبكرة من عمر الطفل ولكنها تستمر في ممارسة تدخلها فترة طويلة من الزمن وأهمها بالطبع الأسرة والمدرسة.
الأســــــــرة:
ان للأسرة تأثير كبير في حياة الطفل خاصة في السنين الأولى من عمرة فهي تمثل عالم الطفل الكلي وتؤثر بدرجة كبيرة على تطوير شخصيته ونموه. ويبدأ هذا التأثير بالاتصال المادي والمعنوي المباشر بين الأم وطفلها. فهي ترعاه وتحنو عليه وتشبع حاجاته كما ان دور الأب والاخوة له تأثير كبير على تنشئته وتطوير شخصيته الاجتماعية. ان شخصية الوالدين وموقع الطفل بالنسبة لأخوته ومركز العائلة الثقافي والاقتصادي والصلات القرابية كلها عوامل أساسية خاصة في السنين الأولى من عمره. فتأثير الأسرة يصيب أبعاد حياة الطفل الجسدية والمعرفية
والعاطفية واسلوكية والاجتماعية مما يجعل تأثيرها حاسماً في حياته. كما ان الأسرة تنقل الى الطفل قيم ومعايير وتحدد المواقف من مختلف القضايا الأجتماعية والمثل العليا وكذلك مفهوم القانون والمسموح والممنوع كل هذا يشكل هوية الطفل وانتمائته فالأسرة هي المؤسسة الرئيسية في نقل الميراث الاجتماعي فالمسألة ليست إشباعاً لحاجات مادية وانما هي بناء الشخصية وبناء الانتماء.
وإذا طرأت بعض المتغيرات أو المؤثرات داخل الأسرة أدت الى التضارب في أداء الأدوار وأثرت بالتالي على عملية التنشئة فتصبح هي الأكثر تضرراً لتلك المتغيرات فالتفكك الأسري أو إنفصال أحد الوالدين وسلبية العلاقة بينهما أو بين الأبناء والتميز بين أدوار الذكور والأنوثة وما ينتج عنه من عدم مساواة كل ذلك له اثر في توجيه السلوك كما ان الوضع الاقتصادي المتدني للأسرة يؤثر سلباً في إشباع حاجات الطفل. وان ما تمر به بعض المجتمعات من مشاكل كالحروب والمجاعات وعدم الاستقرار السياسي وتدهور الأوضاع الاقتصادية والكوارث الطبيعية ينعكس سلباً على الخدمات التعليمية والصحية والثقافية وغيرها كلها معيقات حقيقية في وجه عملية التنشئة ولنا في عالمنا العربي أمثله كثيرة على تدني الخدمات المقدمة للأطفال نتيجة للمشاكل السابقة فأطفال العراق والجنوب اللبناني وابناء المخيمات في الأراضي المحتلة والسودان أمثله صارخة لمعاناة حقيقية لشريحة واسعة من أطفال العرب نتيجة لما تمر به مجتمعاتهم من ظروف صعبة. وهذا الوضع اللا إنساني لأطفالنا يتناقض تماماً مع مبادئ اتفاقية حقوق الطفل الصادرة عام 1989 والاتفاقية تضمنت مبادئ كثيرة منها:
1- يجب حماية الطفل بعيداً عن كل اعتبار بسبب الجنس والجنسية أو الدين.
2- يجب مساعدة الطفل مع احترام وحدة الأسرة.
3- يجب ان يكون الطفل في وضع يمكنه من النمو بشكل عادي من الناحية المادية والمعنوية والروحية.
4- يجب ان يكون الطفل أول من يتلقى المعونة وقت الشدة.
5- يجب ان يستفيد الطفل استفادة تامة من وسائل الوقاية والأمن الاجتماعية.
وهذه الاتفاقية تكتسب أهمية خاصة لأنها المرة الأولى في تاريخ القانون الدولي تحدد فيها حقوق الطفل ضمن اتفاقية ملزمة للدول التي تصادق عليها إذا تحدد الاتفاقية معايير لحماية الأطفال وتوفر إطار عمل للجهود التي تبذل للدفاع عنهم وتطوير برامج وسياسيات تكفل لهم مستقبلاً صحياً ومأموناً ويمكن تصنيف الحقوق الواردة في الاتفاقية الى أربع أقسام: حقوق مدنية – حقوق اقتصادية – حقوق اجتماعية وحقوق ثقافية.
المدرســــــة:
تعتبر المدرسة المؤسسة التعليمية الهامة في المجتمع بعد الأسرة فالطفل يخرج من مجتمع الأسرة المتجانس الى المجتمع الكبير الأقل تجانساً وهو المدرسة. هذا الاتساع في المجال الاجتماعي وتباين الشخصيات التي يتعامل معها الطفل تزيد من تجاربه الاجتماعية وتدعم إحساسه بالحقوق والواجبات وتقدير المسؤولية، وتعلمه آداب التعامل مع الغير.
فالمدرسة تمرر التوجيهات الفكرية والاجتماعية والوجدانية من خلال المناهج الدراسية والكتب التي لا تنقل المعرفة فقط بل تقولب الطفل وتوجهه نحو المجتمع والوطن، كما تقدم المدرسة إضافة الى هذا الجهد التعليمي في التنشئة بجهد آخر من خلال ممارسة السلطة والنظام وأنماط العلاقات في الصف ومع الجهاز التعليمي والرفاق أى انها تحدد النماذج المرغوبة للسلوك من خلال صورة التلميذ المثالي أو المشاغب والناجح أو الفاشل وهكذا نلاحظ ان عمليات التربية بين جدران المدرسة تساهم إسهاماً مؤثراً في عملية التنشئة الاجتماعية فهي عبارة عن مجتمع صغير يعيش فيه التلاميذ حيث يوفقون فيه ما بين أنفسهم كأفراد وبين المجتمع الذي يعيشون فيه وهم في هذا المجتمع الصغير يتدربون على العمل الجمعي وتحمل المسؤولية والمشاركة واطاعة القانون وإدراك معنى الحق والواجب. والتعامل في المدرسة أساسه الندية فالطفل يأخذ بمقدار ما يعطي على عكس المعاملة الأسرية التي تتسم بالتسامح والتساهل والتضحية. لذا فالمدرسة تمثل مرحلة هامة من مراحل الفطام النفسي للطفل فهي تتعهد القالب الذي صاغه المنزل بالتهذيب والتعديل عن طريق أنماط سلوكية جديدة.
ومن أهم العوامل المدرسية التي تؤثر في التنشئة الاجتماعية للطفل شخصية المدرس فهو مصدر السلطة التي يجب طاعتها والمثل الأعلى الذي يتمثل به الطفل ومصدر المعرفة لذا لابد ان يكون المدرس متسلحاً بالتكوين المعرفي والفضائل الأخلاقية والاجتماعية لأن تأثير كبير في بناء الطفل اجتماعياً ونفسياً ولكي تنجح المدرسة كمؤسسة تعليمية في تحقيق وظيفتها الاجتماعية والتربوية لابد ان ترتكز العملية التعليمية على مجموعة من الأسس المقومات يمكن الإشارة إليها:
1- الأهداف التعليمية ويقصد بها الأهداف التي تسعي المدرسة الى تحقيقها علماً بأن لكل مرحلة تعليمية أو نوع من التعليم أهدافه التي تتفق مع احتياجات المجتمع من جهة والى قدرات المتعلم من جهة أخري.
2- احتياجات المتعلم.
أ- مجموعة المعارف والمعلومات والمهارات التي يحتاج المتعلم الى اكتسابها كي يصل الى المستوي التعليمي الذي تتطلبه احتياجات المرحلة التعليمية التي يجتازها.
ب- من مجموعة البرامج من أنشطة وخدمات صحية وغذائية وترفيهية ونفسية واجتماعية.
3- المعلم وهو المتخصص في إيصال المعلومات والمعارف والخبرات التعليمية للمتعلم وذلك باستخدام وسائل وأساليب فنية تحقق الاتصال.
4- الإمكانيات المادية وهي الوسائل اللازمة لقيام العملية التعليمية من مبنى وكتاب ووسائل معينة مختبرات- حجرات دراسية – ملاعب الى آخره لذلك لابد أن يتطور مفهوم التعليم من مجرد الدرس والتحصيل للحصول على شهادة الى اعتبار التعليم محورة الإنسان كونه عضواً في مجتمع يجب الاهتمام به من خلال مراحل تعليمية في الجوانب النفسية والاجتماعية والخلقية والجسمية والعقلية حتى يتحقق تكامل متزن بين هذه الجوانب. كما يجب ان يتوجه التعليم لتحقيق المبادئ الديمقراطية حتى يسبغ علية الصفة الإنسانية ويصبح التعليم حق لكل فرد بغض النظر عن مستواه الاجتماعي والاقتصادي. اما اذا أتسم التعليم بتقليدية التدريس وعدم كفاءة المعلمين وعدم كفاية الخدمات التعليمية الأخرى وتقليدية المناهج وسطحية محتواها تجعل هذه المعارف غير قابلة للاستثمار الوظيفي وبذلك تفقد كل مقومات التعليم القائم على التحليل والاستنتاج والنقد والتفسير والتساؤل وبذلك تصبح المعلومات مفصولة عن الحياة وقضاياها ولا تعطي المجال أمام المشاركة في بناء المعرفة.
وفي العالم العربي حدثت إنجازات لا تنكر في ميدان التعليم منذ منتصف القرن الماضي ولكن التعليم في معظم الأقطار العربية لاتزال تقليدياً مقارنة بباقي دول العالم المتقدمة.
وقد أكدت البحوث التربوية على أهمية سنوات الطفولة المبكرة في تشكيل العقل البشري وتحديد إمكانياته المستقبلية مما يعني التركيز على التعليم قبل المستوى الابتدائي. هذا النوع من التعليم متدنية نسبته في عالمنا العربي وتكاد تكون معدومة في معظم أقطاره. أما على مستوى التعليم الابتدائي والثانوي فقد زاد التطور الكمي في عدد الملتحقين فقد قفز من 31 مليون عام 1980 الى ما يقارب 56 مليون عام 1995 مع ملاحظة أن هناك قصوراً في التحاق البنات في التعليم العالي ولمرحلة ما قبل التعليم العالي. والأخطر ان مخرجات التعليم في العالم العربي لا تلبي شروط التنمية ومتطلبات سوق العمل ولا أدل على ذلك من تفشي البطالة بين المتعلمين وتدني الأجور للغالبية من الخرجين. ان هذا الواقع يفرض الاهتمام الجدي بالمؤسسة التعليمية حتى تستطيع أن تخدم أهداف التنشئة واخيراً فان مسؤولية التنشئة الاجتماعية مسؤولية جماعية لأنها متعلقة بالطفل أولاً واخيراً وفي اتفاقية الطفل لعام 1989 عرفت الطفل بكل من لم يبلغ الثامنة عشرة. لذا فالمسؤولية جماعية تقع على عاتق المجتمع والوالدين والمربين والدولة ومؤسساتها الرسمية وغير الرسمية لأن تحسين أوضاع الطفل تقتضي التنسيق والتكامل بين جميع المؤسسات ذات العلاقة ووضع مصالح الطفل في رأس الأولويات لأن الأطفال الذين سنهتم بهم اليوم هم ورثه المستقبل فلابد من توفير عناصر البقاء والنماء والحماية لهم وبذا نكون على الأقل قد مهدنا الطريق لبناء مجتمع المستقبل بإعتبار ان حقوق الطفل هي النداء الأول الذي يجب أن يوجه ضمير البشرية وان يلزم المجتمع الدولي باحترامه. ومن الثابت قانوناً ان كل حق يقابلة واجب. وبناء على ذلك فحقوق الطفل ما هي الا واجبات على الآخرين باعتبار ان الاهتمام بالأطفال هو نقطة البداية للوصول الى التنمية البشرية الشاملة وفي هذا المقام لتتذكر معاً ان أطفالنا في العراق لا يستطيعون امتلاك الدفتر والقلم والكتـــاب.
حصــة الخميــري
المراجع:
1- تأثير التغيرات الاجتماعية – الاقتصادية المتسارعة على الطفولة العربية في الخليج " ندوة الطفولة في مجتمع متغير" الدكتور سعدالدين ابراهيم.
2- التنشئة الاجتماعية بين تأثير وسائل الاعلام الحديثة ودور الأسرة.
اعداد الدكتور مصطفى حجازي.
سلسلة الدراسات الاجتماعية والعمالية.
المكتب التنفيذي لمجلس وزراء العمل والشؤون الاجتماعية، بدول مجلس التعاون-البحرين 1994.
3- التكيف والمشكلات المدرسية 1996.
الدكتور محمد مصطفى احمد – المعهد العالي للخدمة الاجتماعية " الاسكندرية".
4- المدخل الى علم الاجتماع- جامعة بغداد 1981.
مليحة عوني القصير – دكتور معن خليل عمر.
5- سيكولوجية التنشئة الاجتماعية.
د. عبدالرحمن العيسوي .
6- ديناميكية العلاقات الأسرية- دراسة عن الخدمة الاجتماعية ورعاية الأسرة والطفولة.
إقبال محمد بشير وآخرون – المكتب الجامعي الحديث .
7- التكيف الاجتماعي وتنمية قدرات الفرد حول المشاهدات الايجابية لبرامج التلفزيون.
د. كلثوم جبر الكواري- جامعة قطر 2000.
8- المدرسة وتربية الفكر، ماثيو ليجان.
ترجمة د. ابراهيم محي الشهابي، دمشق 1988.
9- مجلة الطفولة.
الجمعية البحرينية لتنمية الطفولة- العدد الثالث ديسمبر 1998.
10- الكتاب الاحصائي السنوي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم 1998.
* ناصرة الشربتلي
تبدأ عملية نمو الضمير في السنة الثانية من عمر الطفل، عندما يكتسب تحريم أفعال معينة (لا تقترب من الكتب) (لاتفتح الدولاب).. إلى آخر ذلك من التحريمات التي يتلقاها الطفل تدريجياً.. ومع تقدم السن لايقتصر الضمير على تلك الأوامر والنواهي البسيطة بل يتسع ليشمل معايير أكثر تعميماً، ليشمل عما يجب وما لايجب، فلا يكتفي الطفل بالعزوف عن ضرب أخيه الأصغر، مثلا، ولكن يتجاوز ذلك بأن يسلك تجاهه بطريقة (عطوفة) حانية (بشكل عام). بل أكثر من ذلك، قد يتعلم الطفل أيضا أن يكون (أميناً) و(مطيعاً) لايكذب ولايسرق، يحترم حقوق الآخرين وصالحهم وهكذا.
ويعتمد هذا التعميم بالطبع على نمو القدرات المعرفية للطفل، بمعنى أنه كلما أصبح الطفل قادراً على الفهم والاستيعاب بدرجة أكبر، فإن معايير سلوكه تصبح أكثر ميلا إلى تجاوز التحريمات البسيطة مثل (لاتضرب أخاك الأصغر) ويصبح الطفل أشد وعيا بالتطبيقات الأعم للمعايير والقيم الخلقية، مدركاً مثلاً أن (معظم الكائنات الحية تستحق منا أن نعاملها برفق).
ومع ذلك يجب ألا ننسى حقيقة مهمة جداً، وهي أن مجرد (معرفة الطفل بهذه المعايير لاتعني بالضرورة أنه يتصرف بمقتضاها) ذلك أن التزام الطفل بالمعايير الخلقية، إنما يعتمد علي عوامل أخرى مهمة ألا وهي: قوة التوحد مع قدرة لها نفس المعايير وملتزمة بها، مقدرا احتمال إثارة الشعور بالذنب عند مخالفة هذه المعايير).
حقيقة عامة أخرى، يجب معرفتها أيضاً، وهي أن تبني الطفل لقيم ومعايير الوالدين يعتمد على مقدار الدفء والحب اللذين يحاط بهما في علاقته بوالديه ومن خلال هذه الحقيقة نستطيع أن نرى أن الطفل الذي يتوحد بقوة مع الوالد يكون أسرع بالطبع في تبني المعايير السلوكية لذلك الوالد، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى، فإن الطفل الذي يتمتع بعلاقة عاطفية دافئة مع الوالدين يكون حريصاً على الاحتفاظ بهذه العلاقة، ويخشى بدون شك من فقدانها، إن معظم الأطفال يقلقهم بالطبع ـ بعض الشيء على الأقل ـ احتمال فقدان العطف والحب اللذين يتمتع بهما مع والديه، ولذلك فهو يحافظ على معاييره السلوكية حتى يقلل من حدة ذلك القلق.
وهكذا تتضح أهمية شعور الطفل من فقدان الحب (كعامل آخر من العوامل التي يتضمنها نمو الضمير). على أن هذا الشعور بالقلق من فقدان الحب يتوقف على ما إذا كان هناك حب أصلاً. بعبارة أخرى فإن الطفل الذي لايشعر بحب والديه لايكون لديه مايخشى على فقدانه وبالتالي فإنه يصعب أن نتصور في هذه الحالة كيف يمكن أن يتمثل الطفل معايير وقيم المجتمع الذي ينتمي إليه.
من الواضح إذن أن نمو الضمير عند الطفل يعتمد على معايير الآباء أنفسهم، كما يعتمد على طبيعة العلاقة بين الطفل وأبويه. وهنا يمكن أن نضيف بعض العوامل التي تساعد على نمو الضمير عند الطفل:
1 - أن يكون لدى الوالدين ضمير ومعايير خلقية ناضجة ومعقولة ليست متشددة أكثر من اللازم أو جامدة أو قاسية.
2 - أن يكون تبني الطفل للمعايير (الوالدية) قائما على أساس عملية توحد إيجابية: حباً وليس خوفاً.
وضمن أهم العمليات التي يقوم بها الوالدان لتقويم السلوك الاجتماعي لطفلهما عملية الثواب والعقاب، إضافة إلى عملية ملاحظة الكبار في سلوكهم تجاه الآخرين، والتي يكتسب من خلالها الطفل، خلال سنوات تكوينه الأولى، الملامح الأساسية لسلوكه الاجتماعي، بل ولشخصيته.. إلا أن الشخصية والسلوك الاجتماعي لايمكن تفسيرها في ضوء الثواب والعقاب، كمتغير وحيد في بناء الشخصية، كذلك لانستطيع أن نفسر بناء الشخصية أيضاً بعبارة بسيطة مثل (الملاحظة) أو مشاهدة النموذج، فهناك الكثير والكثير من الأنماط السلوكية المعقدة التي قد تكتسب دون هذا التدريب المباشر، أي من غير أن يكون هناك شخص (يعلم) سواء بالتدعيم أو من دونه، وكذلك دون أن يكون لدى الطفل (نية) التعلم.. بعبارة أخرى، هناك ذاتية الطفل واستقلاليته، وإيجابيته التي قد تغفلها مثل هذه التفسيرات البسيطة، ولكي نتفادى هذه الثغرة، علينا أن ندخل في تفسير السلوك الاجتماعي، ونمو الشخصية عند الطفل من خلال آليتين مهمتين هما (التقلد) و(التوحد).
التقليد والتوحد
يبدأ الطفل في تقليد أفعال الآخرين في نهاية السنة الأولى. إلا أن التقليد عندئذ لايعتمد على الصور الذهنية بقدر مايعتمد على الملاحظة المباشرة للفعل، كما يحدث عندما يضع الطفل الغلالة على وجهه ثم يدفعها تقليدا لما تفعله أمه أثناء ملاعبتها له بهذه الغلالة.
ولكن ما إن يصل الطفل إلى سن السنة والنصف أو السنتين، (عندما يكون بإمكانه تكوين صور ذهنية لما يقع حوله، والاحتفاظ بتلك الصور واسترجاعها)، حتى تتسع دائرة الأفعال التي يمكن أن يقوم بتقليدها إلى أبعد حد ممكن، فالأطفال في هذه المرحلة يقلدون كل شيء يقع تحت ملاحظتهم حتى جلوس الآباء واستخدامهم السيجار.
التقليد، إذن، يحدث في هذه المرحلة بناء على وجود قدرة عند الطفل على تكوين صورة ذهنية للأفعال التي يكون قد شاهدها من قبل ثم تم استرجاع هذه الصور، وبناء على ذلك، فإنه يمكننا أن نتساءل: لماذا يميل الطفل في هذه الفترة إلى التقليد؟ أو ما الذي يدفع طفل هذه المرحلة إلى تقليد فعل ما وليس كل فعل؟.. هناك عدة تفسيرات، منها أن الطفل يريد أن يطيل فترة الاستثارة التي يحدثها التفاعل بينه وبين الكبير، ومنها أن الفعل الذي يقوم الطفل بتقليده يحدث نتائج ممتعة بالنسبة له.. مثلا عندما يضغط الطفل على زر المذياع، (كما فعل أبوه)، لكي يحصل على نغمات موسيقية يستمتع بالاستماع إليها.
ولا شك في أن كل مهارة يكتسبها الطفل تزيد من شعوره بالسيطرة على البيئة كما تزيد من شعوره بالكفاءة. فإذا فرضنا أن طفلا ما غير واثق مثلا من قدرته على الإمساك بسماعة الهاتف والتحدث، فإن محاكاته لهذا الفعل تزيد من شعوره بالثقة في قدرته، فالأطفال في هذه المرحلة تزداد حساسيتهم نحو أنفسهم كأفراد ذوي تأثير في البيئة المحيطة بهم.. ولذا فإنهم ينتهزون كل فرصة لكي يزيلوا عن أنفسهم كل شك في ذلك.. ويمتد نشاطهم هذا لكي يشمل أوسع مدى من الأعمال اليومية، فهم يبذلون كل جهد لكي يشاركوا في معظم القرارات الخاصة بهم، مثل، الذهاب إلى الفراش، الملابس التي يرتدونها، المأكولات التي يفضلونها وهكذا.
وكل شيء يقوم به آباؤهم وإخوانهم، يرغبون هم أيضا في القيام به، وتتعدى رغبتهم هذه كل حدود إمكاناتهم، فما يريدون أن يقوموا به قد لايتناسب بالمرة مع ما يستطيعون أن يقوموا به بالفعل. إنهم يشعرون بأنهم أعضاء لهم قيمتهم في الأسرة، لأنهم يستطيعون الآن أن ينجزوا الأعمال التي يمكن أن يقوم بها الآخرون.. ويمكن القول بأن شعورهم هذا يتناسب مع مقدار ما يكتسبونه من مهارات.
إن اكتساب الطفل للمهارات عن طريق التقليد لايتناقض مع نزعته إلى تنمية شخصية استقلالية، ذاتية النشاط. وقد تصل حدة ذلك التناقض الظاهري عندما يصل التقليد إلى أعلى مراحله، عندما تتقمص البنت شخصية أمها، ويتقمص الولد شخصية أبيه، أي عندما يتوحد كل منهما مع مثله من نفس الجنس.
والتوحد هو أعلى مراحل التقليد، ويشير مفهوم التوحد إلى عمليتين.. الأولى: ملاحظة الطفل أنه يشبه شخصاً ما آخر، والثانية: مشاركة الطفل لهذا الشخص الآخر في انفعالاته.. هذا الشخص بالنسبة للطفل هو أحد الوالدين بالطبع.
ذلك هو الفرق بين (التعلم) الذي يتم عن طريق الملاحظة والتقليد، و(التعلم) الذي يتم عن طريق التوحد، ولكن بالرغم من ذلك الاختلاف بين التقليد والتوحد، فإنهما يلتقيان فيما يؤديان من وظيفة في نمو شخصية الطفل.
إن التوحد مع أحد الوالدين يحقق للطفل الحاجات الأساسية التي يسعى إلى تحقيقها في هذه المرحلة، فهو يمكن أن يكون مصدرا للشعور الذي يفتقر إليه الطفل.. ذلك أن الطفل قد يشعر عندئذ أنه قد (أدمج) في (ذاته) قوة وكفاءة هذا الوالد، وما دام هو يسعى إلى تحقيق الكفاءة والقوة في البيئة التي يعيش فيها، لذا فإن (المشاركة) مع الوالد فيما يملكه هذا الأخير، من إنجازات ومن قوة، ومن مهارات ومن استمتاعات، سوف تزيد من شعور الطفل بالسيطرة على البيئة، وبالتالي من شعوره بالأمن والاطمئنان في هذا الإطار، وباختصار فإن التوحد يشعر الطفل بأن الوالد معه، حتى لو كان بعيدا عنه جسديا، هذا الارتباط بالوالد، حتى وهو بعيد، يزيد من اتساع المجالات والمواقف التي يشعر فيها الطفل بالأمان.
والملاحظ، هنا، أن التوحد يتم بين الطفل وأحد والديه عندما يدرك الطفل أوجه تشابه بينه وبين والده، والوضع النموذجي، هو أن الولد مع والده، والبنت مع أمها. ولكي يتم التوحد بدرجة قوية مع الوالد لابد من أن يملك الوالد صفات جذابة بالنسبة للطفل، فاستعداد الطفل للتوحد مع والد يتحلى بالدفء العاطفي والرعاية والحب، يكون أسرع وأقوى منه بالنسبة لوالد رافض أو مهمل، كذلك فإن الوالد الذي يكون على درجة عالية من الكفاءة، والذي يكون في نظر الطفل، قويا، يمكن أن يشكل نموذجا للتوحد أقوى من ذلك الوالد الذي يكون ضعيفا أو غير كفء.
الثواب والعقاب
أيضا تعتبر السنوات الأولى من عمر الطفل من أهم فترات عمره، حيث إن فترة نمو الضمير لدى الطفل يتجلى فيها تشكيل شخصيته وتحديد معالم سلوكه الاجتماعي. ويعتمد تحديد شخصية الطفل على عدة عوامل، منها الاستعدادات الوراثية والقيم، والمعايير التي تسود الثقافة الفرعية التي ينتمي إليها، وأساليب الثواب والعقاب التي يتعرض لها في الأسرة، والتفاعل الذي يتم بينه وبين الأنداد، والنماذج السلوكية التي تعرض عليه من خلال الوسائل الإعلامية.
إلا أن أحداً، مع ذلك، لايستطيع أن ينكر أن الأسرة هي التي تقع في المكان الأول من بين هذه العوامل جميعاً، ففي هذه المرحلة من مراحل النمو يعتبر الأبوان والأقران هم العناصر، في المجتمع، الأشد تأثيراً في نمو الطفل اجتماعيا. حقا إنهم ليسوا العناصر الوحيدة المؤثرة، فهناك الأنداد والمعلمون والجيران ووسائل الإعلام، إلا أن أعضاء الأسرة هم الذين تكون صلتهم بالطفل في هذه المرحلة أكثر دواماً، وأثقل وزناً. كما أن التفاعل بينهم وبين الطفل يكون أشد كثافة وأطول زمناً. هذا إلى جانب العلاقة الانفعالية الاجتماعية التي تربط بين الطفل وأعضاء أسرته، مما يجعل منهم عناصر ذات دلالة خاصة في حياته النفسية.
ويتم تأثير الأسرة في تشكيل السلوك الاجتماعي للطفل، من خلال ما يمكن أن نسميه بعملية التنشئة الاجتماعية، فعن طريق هذه العملية يكتسب الطفل السلوك والعادات والعقائد والمعايير والدوافع الاجتماعية التي تقيمها أسرته والفئة الثقافية التي تنتمي إليها هذه الأسرة.
ولكن ما هي التنشئة الاجتماعية؟ وما هي أهم المجالات السلوكية التي يكون للتنشئة تأثير عليها في هذه المرحلة من مراحل النمو عند الطفل؟
التنشئة الاجتماعية هي العملية التي عن طريقها يسعى الآباء إلى إحلال عادات، ودوافع جديدة محل عادات ودوافع كان الطفل قد كونها بطريقة أولية.. أو بعبارة أخرى هي العملية التي يهدف الآباء من ورائها إلى جعل أبنائهم يكتسبون أساليب سلوكية، ودوافع وقيما، واتجاهات يرضى عنها المجتمع.
ولكن كيف يقوم الآباء بالفعل بهذه العملية؟ ما الذي (يعملونه) لكي ينشئوا أبناءهم اجتماعياً؟ وكيف يقومون بتدريبهم على إحداث ذلك التغيير؟.. إحدى الطرق التي يستخدمها الآباء في عملية التنشئة الاجتماعية لأطفالهم هي بالطبع طريقة الثواب والعقاب.
على أن الأطفال لاينتظرون حتى يوقع عليهم الجزاء (ثواباً أو عقاباً) لكي يكتسبوا ألواناً جديدة من السلوك. إن الأطفال يتعلمون أيضاً عن طريق الملاحظة والتقليد. ثم إنهم يتعلمون أيضا عن طريق التوحد مع الوالدين.
إذن، فالثواب والعقاب وملاحظة الآخرين وتقليدهم والتوحد مع الوالدين، تسهم جميعاً في التنشئة الاجتماعية للطفل
يعتبر موضوع التنشئة الاجتماعية من المواضيع الهامة التي تناولها الباحثون في مجال علم النفس والاجتماع سواء من ناحية المضامين أو الأساليب، نظراً لأهمية هذا الموضوع في إعداد الأجيال القادمة التي ستحافظ على استمرارية وجود المجتمع مادياً ومعنوياً.
التنشئة الاجتماعية:
هي عملية يكتسب الأطفال من خلالها الحكم الخلقي والضبط الذاتي اللازم لهم حتى يصبحوا أعضاء راشدين مسئولين في مجتمعهم. ( حسين رشوان، 1997، ص153 )
وهي عملية تعلم وتعليم وتربية، تقوم على التفاعل الاجتماعي وتهدف إلى إكساب الفرد (طفلاً فمراهقاً فراشداً فشيخاً) سلوكاً ومعايير واتجاهات مناسبة لأدوار اجتماعية معينة، تمكنه من مسايرة جماعته والتوافق الاجتماعي معها، وتكسبه الطابع الاجتماعي، وتيسر له الاندماج في الحياة الاجتماعية.
وتسهم أطراف عديدة في عملية التنشئة الاجتماعية كالأسرة و المدرسة و المسجد والرفاق و غيرها إلا أن أهمها الأسرة بلا شك كونها المجتمع الإنساني الأول الذي يعيش فيه الطفل، والذي تنفرد في تشكيل شخصية الطفل لسنوات عديدة من حياته تعتبر حاسمة في بناء شخصيته. ( حامد زهران، 1977، ص213 )
أهداف التنشئة الاجتماعية:
ـ غرس عوامل ضبط داخلية للسلوك وتلك التي يحتويها الضمير و تصبح جزءاً أساسياً، لذا فإن مكونات الضمير إذا كانت من الأنواع الإيجابية فإن هذا الضمير يوصف بأنه حي، وأفضل أسلوب لإقامة نسق الضمير في ذات الطفل أن يكون الأبوين قدوة لأبنائهما حيث ينبغي ألا يأتي أحدهما أو كلاهما بنمط سلوكي مخالف للقيم الدينية و الآداب الاجتماعية.
ـ توفير الجو الاجتماعي السليم الصالح و اللازم لعملية التنشئة الاجتماعية حيث يتوفر الجو الاجتماعي للطفل من وجوده في أسرة مكتملة تضم الأب والأم والأخوة حيث يلعب كل منهما دوراً في حياة الطفل.
ـ تحقيق النضج النفسي حيث لا يكفي لكي تكون الأسرة سليمة متمتعة بالصحة النفسية أن تكون العلاقات السائدة بين هذه العناصر متزنة سليمة و إلا تعثر الطفل في نموه النفسي، والواقع أن الأسرة تنجح في تحقيق النضج النفسي للطفل إذا ما نجحت في توفير العناصر التالية:
ـ تفهم الوالدين وإدراكهما الحقيقي في معاملة الطفل وإدراك الوالدين ووعيهما بحاجات الطفل السيكولوجية والعاطفية المرتبطة بنموه وتطور نمو فكرته عن نفسه وعن علاقته بغيره من الناس وإدراك الوالدين لرغبات الطفل ودوافعه التي تكون وراء سلوكه وقد يعجز عن التعبير عنها. (إقبال بشير وآخرون،1997: ص63 )
ـ تعليم الطفل المهارات التي تمكنه من الاندماج في المجتمع، والتعاون مع أعضاءه والاشتراك في نواحي النشاط المختلفة وتعليمه أدواره، ما له وما عليه، وطريقة التنسيق بينهما وبين تصرفاته في مختلف المواقف، وتعليمه كيف يكون عضواً نافعاً في المجتمع وتقويم وضبط سلوكه.
آليات التنشئة الاجتماعية:
تستخدم الأسرة آليات متعددة لتحقيق وظائفها في التنشئة الاجتماعية، وهذه الآليات تدور حول مفهوم التعلم الاجتماعي الذي يعتبر الآلية المركزية للتنشئة الاجتماعية في كل المجتمعات مهما اختلفت نظرياتها وأساليبها في التنشئة، ومهما تعددت وتنوعت مضامينها في التربية.
و للتنشئة خمس آليات هي:
* التقليد / فالطفل يقلد والديه ومعلميه وبعض الشخصيات الإعلامية أو بعض رفاقه.
* الملاحظة / يتم التعلم فيها من خلال الملاحظة لنموذج سلوكي وتقليده حرفياً.
* التوحد / يقصد به التقليد اللاشعوري وغير المقصود لسلوك النموذج.
* الضبط / تنظيم سلوك الفرد بما يتفق ويتوافق مع ثقافة المجتمع ومعاييره.
* الثواب والعقاب / استخدام الثواب في تعلم السلوك المرغوب، والعقاب لكف السلوك غير المرغوب.( خلدون النقيب، 1985: ص62 )
صفات وخصائص التنشئة الاجتماعية:
- تعتبر التنشئة الاجتماعية عملية تعلم اجتماعي يتعلم فيها الفرد عن طريق التفاعل الاجتماعي أدواره الاجتماعية والمعايير الاجتماعية التي تحدد هذه الأدوار، ويكتسب الاتجاهات والأنماط السلوكية التي ترتقيها الجماعة ويوافق عليها المجتمع.
- عملية نمو يتحول خلالها الفرد من طفل يعتمد على غيره متمركز حول ذاته، لا يهدف من حياته إلا إشباع الحاجات الفسيولوجية إلى فرد ناجح يدرك معنى المسؤولية الاجتماعية وتحولها مع ما يتفق مع القيم والمعايير الاجتماعية.
- أنها عملية مستمرة تبدأ بالحياة ولا تنتهي إلا بانتهائها.
- تختلف
سوسيولوجيا الثقافة
عرض/ إبراهيم غرايبة
يطرح الكتاب إشكالية الثقافة، ويستعرض أبرز المقاربات الأنثروبولوجية والأيديولوجية والسوسيولوجية التي تتناولها بالنظر والتحليل، ثم يتوقف عند تأثرها بظاهرة العولمة والتفاعلات المصاحبة لها بفعل التطور الكبير على صعيد تقنيات الإعلام والاتصال، ويناقش محددات الثقافة الاجتماعية وخصائصها وآليات التفاعل، مع إعادة النظر ببعض المسلمات، ليقول في النهاية إن هذا القرن هو قرن التوتر والحيرة.
محددات الثقافة وخصائصها
يتميز الإنسان بقدرته على إنتاج الثقافة، وهذه أهم خصيصة تميزه عن بقية المخلوقات، ولكل مجتمع ثقافته الخاصة التي يتسم بها ويعيش فيها، ولكل ثقافة ميزاتها وخصائصها ومقومات المادية التي تتألف من طرائق المعيشة والأدوات التي يستخدمها أفراد المجتمع في قضاء حوائجهم والأساليب التي يضعونها لاستخدام هذه الأدوات.
- الكتاب: سوسيولوجيا الثقافة
- المؤلف: عبد الغني عماد
- عدد الصفحات: 363
- الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت
- الطبعة: الأولى/ 2006
فكلمة الثقافة هي أكثر كلمة شهدت انتشارا وازدهارا، وليس هناك مفهوم أكثر تداولا واستخداما كمفهوم الثقافة، التي تندرج تحت اتجاهين، الأول اتجاه واقعي يرى الثقافة كل ما يتكون من أشكال السلوك المكتسب الخاص بمجتمع أو جماعة معينة من البشر، والثاني اتجاه تجريدي يرى الثقافة مجموعة أفكار يجردها العالم من ملاحظته للواقع المحسوس الذي يشمل على أشكال السلوك المكتسب الخاص بمجتمع أو بجماعة معينة.
وقد يكون التعريف السوسيولوجي للثقافة يشمل المقاربات الأخرى لفهمها (الأنثروبولوجية والأيديولوجية)، باعتبارها (الثقافة) تحليلا لطبيعة العلاقات والترابطات الموجودة بين أنماط الإنتاج الفكري وسماته العامة من جهة، ومعطيات البنية الاجتماعية بكل أبعادها الاقتصادية والسياسية والبيئية، التاريخي منها والمعاصر من جهة أخرى، وبالتالي دراسة وظائف هذا الإنتاج الفكري ولآلياته وتفاعلاته في المجتمعات على مستوياته كافة.
فالثقافة كمفهوم سوسيولوجي تشمل كل ما في البعد الأدبي والتراثي والمسرحي والفني، كما تشمل البعد الأنثروبولوجي الذي يطال الأدب والفن، ويطال حقل التعابير التي نطلق عليها عادة صفة "اجتماعية"، إذا الثقافة هي حاضر ومستقبل من المنظور السوسيولوجي.
وأحسن وصف لأي ثقافة يقوم على معرفة نظمها الاجتماعية وتحليل هذه النظم التي تحل فيها الثقافة، ويمكن تحديدها بتسعة نظم: الأسرية والتربوية والدينية والأخلاقية والجمالية واللغوية والاقتصادية والقانونية والسياسية، ويكتسب الأفراد هذه الأنماط الثقافية المناسبة عبر عملية التنشئة الاجتماعية، بدءا بأساليب السلوك المتنوعة وصولا إلى الأنشطة الجماعية وسلوكياتها.
"
يعود التباين بين الثقافات إلى عوامل موضوعية مثل البيئة الجغرافية وطبيعة الاتصال والتعاون وحجم الجماعة الإنسانية التي يجري فيها التفاعل، والقيم السائدة في المجتمع تلعب دورا كبيرا في التنوع الثقافي
"
وكما ينفرد الإنسان عن جميع المخلوقات بقدراته على صنع الثقافة فإن كل مجتمع بشري ينفرد بخصائص ثقافية تميزه عن بقية المجتمعات، فالثقافة نتاج اجتماعي وإنساني، ولا وجود للثقافة من دون إنسان، والمجتمعات دائمة التغير، فالتغير قانون تخضع له جميع الظواهر، فقد تموت الثقافة إذا تفكك المجتمع الذي أنتجها.
الثقافة إذن تتحرك وتتطور، ذلك أن كل جيل يقوم بالإضافة إلى "الموروث الثقافي" من خلال التعليم والتجربة، وتسمى هذه العملية التراكم الثقافي، والعناصر الثقافية المتراكمة تعمل وتستمر في صور كثيرة طالما استمرت الوظيفة التي تؤديها في المجتمع.
ولعل ظاهرة الانتشار من الظواهر التي حظيت بنصيب كبير في علم الاجتماع الثقافي، لأنها تتعلق بحركتها الخارجية، وقد ثبت أن أكثر التغيرات تأتي من الخارج، وقد فتحت آلية الانتشار الثقافي الباب منذ زمن لمسألتين: الأولى تتعلق بوسائل الانتشار نفسها، مثل الهجرات والحروب والتجارة، والثقافة اليوم أصبحت أكثر قدرة على الانتشار، والثانية تتعلق بالموقف من الثقافات الأخرى، وكيفية استقبال المجتمع للعناصر الجديدة الوافدة.
ومن خصائص الثقافة أنها أفكار وأعمال، سواء نظرنا إلى الثقافة كعناصر أو اخترعها الإنسان لسد حاجاته الأولية والثانوية، وتختلف الثقافات في مضمونها وتتباين إلى درجة التناقض أحيانا، فما يعتبره مجتمع ما فضيلة هو رذيلة وربما جريمة في ثقافة أخرى.
ويعود التباين بين الثقافات إلى عوامل موضوعية مثل البيئة الجغرافية وطبيعة الاتصال والتعاون، وحجم الجماعة الإنسانية التي يجري فيها التفاعل، والقيم السائدة في المجتمع تلعب دورا كبيرا في التنوع الثقافي، كما أن طبيعة الإنسان كصاحب عقل مفكر ومبدع قادر على إنتاج أعداد لا نهائية من الأفكار والبدائل، وأخيرا فإن الثقافة تبقى انتقائية انتقالية وتراكمية.
من أين تأتي الثقافة؟
"
الثقافة هي فعل تفاعل يترجم إدراك الإنسان بكافة تجلياته الفطرية والتركيبية، ويجد المرء في الثقافة خاصة الشعبية منها نماذج جاهزة تحوز على صدقية كبيرة في بيئته ووسطه، يعمد إلى تبنيها بشكل تلقائي كونها شائعة ومعممة
"
من المجتمع؟ أم التاريخ؟ أم الدين؟ أم عمليات التفاعل بين الأفراد؟ أم التقاليد والشعائر والطقوس؟ أم التراث الشعبي؟
في الحقيقة تأتي الثقافة من كل الاتجاهات، وتشرب من أكثر من نبع، وتلك هي إشكاليتها، فالثقافة هي فعل تفاعل يترجم إدراك الإنسان بكافة تجلياته الفطرية والتركيبية، ويجد المرء في الثقافة خاصة الشعبية منها، نماذج جاهزة تحوز على صدقية كبيرة في بيئته ووسطه، يعمد إلى تبنيها بشكل تلقائي كونها شائعة ومعممة.
وميزة الثقافة الشعبية أن أكثر أشكالها غير مدون في الكتب، وهي تتخطى حاجز الطبقات تتخطى الحدود الاجتماعية القائمة بين أهل المدينة والريف، وتخترق كتلتي المتعلمين والأميين، والتاريخ كمحصلة لتجارب.
والدين ثقافة كاملة، فهو يعبر عن رؤية للعالم، للطبيعة والوجود والإنسان وهو كذلك يقدم تصورا لبناء الاجتماع الإنساني على نحو يغطي أحيانا أدق تفاصيل هذا الاجتماع اقتصادا وسياسة وأخلاقا وأحوالا شخصية، فهو نمط من القيم والعادات والطقوس والشعائر، وطريقة ثابتة الملامح في ممارسة الحياة في بناء الاجتماع وإعادة إنتاجه.
وتؤلف القيم نسقا متماسكا، فتحتل كل قيمة في هذا النسق أولوية خاصة بالقياس إلى القيم الأخرى، وأنساق القيم هي المستويات التي نحتكم إليها في ذواتنا أمام الآخرين، أو هي الموجهات التي تحرك تصرفاتنا، لكي نبدو أمام الآخرين بالصورة التي نفضلها، فهي توجهنا في إقناع الآخرين والتأثير فيهم لتبني مواقف أو معتقدات أو اتجاهات أو قيم نعتقد أنها جديرة بالاهتمام، وتسهم القيم في إعطاء نوع من التماسك لمجموع القواعد والنماذج الثقافية في مجتمع معين، والتي إذا أخذت منفصلة سوف يكون من الصعوبة إيجاد تفسيرات لها.
ومن بين العناصر الثقافية التي تبدو أكثر عمومية هي العادات، وهي تكرار عملية معينة، أو النشاط "اللاشعوري" واللاواعي لعملية ما، والناتج عن تكرار فعل حتى لو كان فعلا اجتماعيا، والعادات تكون فردية، تتكون وتمارس في حالات العزلة عن المجتمع، فيكاد الإنسان يكون مجموع عادات تمشي على الأرض، بل إن قيمته تعتمد في بعض الأحيان على عاداته.
وأما العادة الجماعية فهي مجموعة من الأفعال والأعمال وألوان السلوك التي تنشأ في قلب الجماعة بصفة تلقائية لتحقيق أغراض تتعلق بمظاهر سلوكها وأوضاعها، وتمثل ضرورة اجتماعية تستمد قوتها من هذه الضرورة.
وتختلف الأعراف عن العادات، فالأعراف هي السنن الاجتماعية التي تدل على المعنى الشائع للاستعمالات والعادات والتقاليد والقوانين خاصة عندما تحوي حكما، والفرق هو فرق تكويني، فالعادة عرف ناقص يعوزها لتصبح عرفا أن يشعر الناس بضرورة احترامها، فكل عرف عادة، وليست كل عادة عرفا.
وسوسيولوجيا فقد اكتسب مفهوم التقاليد والشعائر بعدا جديدا يعبر عن مدى ارتباط حاضر المجتمع بماضيه، كما أنه يشكل أساس مستقبله.
"
الثقافة الشعبية وسيلة فعالة لدمج الفرد في مجتمعه، ولها أيضا وظائف اقتصادية وتوجيهية وجمالية وتنبؤية، وأهمها وظيفة الضبط الاجتماعي
"
وتعرف التقاليد على أنها مجموعة من قواعد السلوك الخاصة بطبقة معينة أو طائفة محلية محدودة النطاق، وهي تنشأ عن الرضا والاتفاق الجمعي على إجراءات وأوضاع معينة خاصة بالمجتمع الذي تنشأ فيه، والتقليد ما هو إلا عادة فقدت مضمونها ولم يعد من الممكن أحيانا التعرف على معناها الأصلي، وتغيير التقاليد يحتاج عادة إلى كسر في النظام السياسي- الاقتصادي القائم.
وتتميز الشعائر بأنها مصحوبة دائما بحس خاص بالجبرية أو الإلزام، والمظهر الغالب للشعائر والطقوس أنها دينية، تنظمها قواعد مقدسة أو موقرة ذات سلطة قهرية ضابطة لتتابع بعض الحركات الموجهة لتحقيق غايات ذات وظيفة محددة.
وأخيرا يتجلى التراث الشعبي في عناصر كثيرة، مثل الفولكلور والموروث الثقافي والمعتقدات الشائعة من خرافات وأساطير، وهي في أساسها تلقائية غير واعية لأن أساسها المحاولة العشوائية في سد الحاجات الطبيعية الضرورية.
وبالتالي هي غير مدونة وتتميز بالاستمرار والثبات، وتبقى لها جاذبية معينة مقبولة ومرغوبة رغم ما فيها من إلزام وقهر، فتعتبر الثقافة الشعبية وسيلة فعالة لإدماج الفرد في مجتمعه، ولها أيضا وظائف اقتصادية وتوجيهية وجمالية وتنبؤية، وأهما وظيفة الضبط الاجتماعي.
التغير الثقافي
التغير الثقافي هو كل ما يتغير في المجتمع، سواء كان هذا التغير محدودا أو واسعا، شاملا المظاهر المادية والمعنوية بكل ما يترتب عليه من علاقات وما ينتج عنها من قيم وعادات، فالعلاقة بين التغير الثقافي والاجتماعي هي علاقة تضمن واحتواء، فكل ما هو تغير اجتماعي يعد تغيرا ثقافيا.
والتعامل مع البيئة التي يعيش فيها الإنسان بأنواعها المختلفة الاجتماعية والثقافية والطبيعية يقوم على قاعدة التفاعل المستمر، ويُلاحظ أن بعض هذه العلاقات تفرضها عليه ثقافته.
"
عميلة تحول النظم التقليدية أو شبه التقليدية وتغيرهما إلى أنماط تكنولوجية مرغوبة يصاحبها ظهور أشكال جديدة في البناء الاجتماعي واتجاهات وقيم ودوافع ومعايير اجتماعية
"
في المقابل يفرض الإنسان ثقافته على بعض عناصر هذه البيئة، ومن خلال هذا التفاعل يحدث التغير، وهناك العديد من العوامل المسببة للتغير الثقافي بعضها خارجة عن دائرة الفعل الإنساني مثل العوامل الإيكولوجية والطبيعية، تتمثل بمكونات البيئية الطبيعية التي يعيش فيها الإنسان، وتتضمن الموقع الجغرافي والتضاريس والتربة والمناخ والمواد الأولية، وكذلك يعتبر حجم السكان وتوزيعهم وتركيبهم من العوامل المهمة في إحداث التغير الاجتماعي.
ويلعب الاتصال أو العزلة دورا رئيسا، فمعظم المجتمعات البدائية تكون شديدة العزلة، والمجتمعات الزراعية ترغب في حماية ثقافتها، وتسعى في الغالب إلى مقاومة ورفض الاتصال بالمجتمعات الأخرى.
ومن العوامل المؤثرة بسبب النشاط الإنساني المخترعات الجديدة، فقد أدت الثورة الصناعية وما صاحبها من تقدم تكنولوجي إلى إحداث تغيرات جوهرية في نمط المعيشة بوجه عام وفي النظم الاجتماعية.
إن عملية تحول النظم التقليدية أو شبة التقليدية، وتغيرهما إلى أنماط تكنولوجية مرغوبة يصاحبها ظهور أشكال جديدة في البناء الاجتماعي واتجاهات وقيم ودوافع ومعايير اجتماعية.
فالتحديث هو في جوهره الدفاع عن عظمة الإنسان، أو هو استخدام العقل، والمشروع التحديثي هو مشروع العقلانية المادية الذي يرى أن العالم يحوي داخله المقدرات الكافية للقيام بعملية التغير هذه في ضوء المعرفة.
والحداثة هي وريثة النهضة وبنت التنوير، وتتميز أنها أوروبية المنشأ والتاريخ، وهي على خصومة مع مفهوم التقليدية، وقد تعنى بوجود مجتمع مفتوح على كافة المستويات بحيث يستطيع الإنسان أن يتسوق ويعقد أفضل الصفقات الفكرية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية بغض النظر عن أي ارتباطات سابقة.
ومن أهم مؤشرات الحداثة المشاركة في عملية تحديد البدائل السياسية وتزايد مقدرة الدول على التعامل مع الجماهير.
الانتقال من مجتمع تقليدي إلى مجتمع حديث يتسم بالانتقال من استخدام التكنولوجيا البسيطة إلى الإفادة المتزايدة من المعرفة العلمية والتكنولوجيا، ومع الحداثة يصل المجتمع إلى درجة من النمو الاقتصادي المدفوع دفعا ذاتيا يكفي لزيادة الإنتاج والاستهلاك بشكل دائم بحيث ينتظم لتحقيق المزيد.
وفي المجال الاجتماعي تعمل الحداثة على تصفية المؤسسات الوسيطة (الأسرة- القبيلة- القرية) والوحدات الاجتماعية الصغيرة، وتدمر بالتالي العلاقات مباشرة والعلاقات المبنية على العلاقات الحميمة والأفعال التضامنية المباشرة، وأيضا فإن زيادة معدلات التعليم ومحو الأمية هي أحدث المؤشرات على التحديث.
"
تسعى حركة ما بعد الحداثة إلى تحطيم السلطة القاهرة للأنساق الفكرية الكبرى المقامة على ادعاء القدرة في تفسير كلي للظواهر وإلغاء الفروق الحقيقة بين الأفراد والشعوب
"
والواقع أن النصف الثاني من القرن العشرين نقلنا إلى ما بعد الحداثة، فأخذ القطاع الحديث ينمو سريعا، ويتمثل باستقطابه لغالبية الأيدي العاملة في المجال التقني، وتميز المجتمع الجديد بانخفاض أسبوع العمل الذي بات نصف ما كان عليه مع بدايات الثورة الصناعية، وازدياد أهمية التعليم.
ومن أبرز عوامل التقدم التكنولوجي تقنيات الاتصال الجماهيري الهائلة والمتنوعة التي تضخ بلا انقطاع الأفكار الجديدة والصور والأحاسيس.
إن تفكيك الحداثة يبين تغيرات سلبية متزايدة، منها المركزية وتنميط المواطنين وإخضاعهم لعمليات التوجيه السياسي والتخطيط الاقتصادي، ويترافق معه ضمور الحس الخلقي والإحساس بالمسؤولية الشخصية.
وتسعى حركة ما بعد الحداثة إلى تحطيم السلطة القاهرة للأنساق الفكرية الكبرى المقامة على ادعاء القدرة في تفسير كلي للظواهر وإلغاء الفروق الحقيقية بين الأفراد والشعوب، ومقولاتها الرئيسة تنادي بإرساء مبدأ المعرفة، وعدم قبول تعميمات تنطبق على كل الثقافات.
أما في مجتمعاتنا فلا تزال الحرب دائرة بين أنصار الحداثة وأنصار التقليد، لذلك لا تستسيغ غالبية المثقفين العرب ما بعد الحداثة بحجة تعبيرها عن مجتمعات غربية وهواجس لم نصل إليها بعد.
المصدر: الجزيرة
[الموضوعات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع]
تعليقات القراء
أحمد
لم يحدث لي الشرف أن اقرأ الكتاب ،لأنني لم ألتقي به في الممكتبات في الجزائر.
رامز
موضوع ممتاز جدا ويناقش مفهوم الثقافة من منظور ايدولوجي جيد ولكن مفهوم الحداثة الذي يتحدث عنه الكاتب مفهوم اوروبي او غربي صرف وانا ارى ان الحداثة ليست من انتاج اوربي تاريخي حيث ان الاوروبيين استنبطو الثقافة التي هم فيها الان من الافكار الاسلاميه وخصوصا افكا ابن رشد العالم والمفكر الاسلامي اي ان ثقافتهم ليست من انتاجهم ولكنها ثقتفة اسلاميه تم تحديثها على هواهم
dr mero
هل من اللازم دائماان ترتبط الحداثة بتحطيم الانساق الفكرية الكبرى للمجتمع و عاداته واعرافه لانها بكل تاكيد التعبير الفعلي لفترة ما قبل الحداثة؟ ارى ان دائما ماتتعامل الحداثة بهذا المنطق و انا- كرجل عربي ومسلم دائما ينظر بالتقديس لكل موروث ومعتقد وعرف-اشعر بان التحديث رغم ما قد يحمله من افكار مغايرة للراسخ في الاذهان ومحترم مني كمثقف يسعى للتطويراشعران التحديث هو تغيير للهوية وخصوصا و ان التحديث دائما ماياتي من اخريين لايحملون نفس جذورنا الثقافية والايديولوجية ما الحل في هذه الاشكالية وما المثل على ذلك ؟